خاص – “الدنيا نيوز”
بقلم: د. ميرنا داود
هناك سؤال يطارد كل من يفتح كتاب تاريخ: هل نحن نقرأ ما حدث فعلاً، أم نقرأ ما نريد أن نراه في ما حدث؟
اعتدنا، ونحن أبناء هذه اللحظة المتخمة بالشعارات، أن نفتح محكمة مستعجلة للتاريخ. نستدعي شخصية من القرن العاشر، ونحاكمها بقانون القرن الحادي والعشرين. نُدين فاتحاً لأنه لم يكن ديمقراطياً، ونهاجم شاعراً لأنه لم يكن نسوياً، ونحتقر عالماً لأنه لم يتحدث عن حقوق الإنسان بمفهوم الأمم المتحدة. هذه ليست قراءة للتاريخ، هذه محاكمة غيابية باطلة، وقاضٍ فيها هو أيضاً الشاهد والجلاد.
التاريخ لا يُقرأ بنظارات اليوم…!!
أولاً: خطيئة الإسقاط أو ما يسميه المؤرخون “المفارقة التاريخية”:
أكبر خطيئة نرتكبها حين نقرأ التاريخ هي خطيئة الإسقاط.
أن نسقط وعينا الحالي، بكل ما فيه من حقوق وحريات ومفاهيم، على وعي لم يعرفها أصلاً.
ابن خلدون قالها قبل ٦٠٠ سنة بوضوح: “إن التاريخ في ظاهره لا يزيد على الإخبار، وفي باطنه نظر وتحقيق”. النظر والتحقيق يعني أن تفهم شروط عصره، لا شروط عصرك.
أن تحاكم زعيماً قبلياً في العصور الغابرة لأنه لم يؤمن بالديمقراطية كمن يحاكم مخترع العجلة لأنه لم يخترع الطائرة. كل إنسان هو ابن بيئته، ابن لغته، ابن خوفه وجوعه ومعتقده. لا يمكنك أن تنزعه من سياقه ثم تطلب منه أن يفكر بطريقتك.
ثانياً: التاريخ ليس سجلاً للملائكة والشياطين:
نحن نحب التاريخ ثنائي الألوان: أبيض أو أسود. بطل مطلق أو خائن مطلق. لكن التاريخ الحقيقي رمادي، معقد، متناقض.
الشخصية التاريخية العظيمة ليست ملاكاً، والشخصية الساقطة ليست شيطاناً خالصاً. فلان كان قائداً عظيماً في زمن الغزو، لكنه كان أيضاً رجل سلطة اتخذ قرارات قاسية لحماية ملكه. ونفس الأمر ينطبق على نابوليون، على الثورة الفرنسية ذاتها التي نادت بالحرية وقطعت آلاف الرؤوس.
حين نقرأ التاريخ بمنطق “مع أو ضد”، نحن لا نفهم التاريخ، نحن نبحث عن مرآة لانتماءاتنا الحالية. التاريخ يصبح عندها أداة لتبرير الحاضر، لا لفهم الماضي.
ثالثاً: كيف نقرأ التاريخ إذاً؟
هناك ثلاث قواعد ذهبية وضعها كبار المؤرخين:
١-اقرأ التاريخ بعيون أهله، لا بعيونك:
قبل أن تحكم على قرار تاريخي، اسأل: ما هي الخيارات التي كانت متاحة له فعلاً في زمانه؟ ما هو سقف المعرفة والأخلاق في عصره؟ ما كان يعتبره الناس حينها عدلاً وظلماً؟
٢-فرّق بين الحدث والحكم على الحدث:
مهمة المؤرخ أولاً أن يفهم لماذا حدث ما حدث، ثم يأتي الحكم ثانياً، إن كان لا بد من حكم. الفهم يسبق الإدانة. من لا يفهم، لا يحق له أن يحكم.
٣-التاريخ للعبرة، لا للثأر:
نحن لا نقرأ التاريخ لننتقم من الموتى، ولا لنقدسهم. نقرأه لنفهم كيف تشكلنا، لماذا نحن هنا بهذه الطريقة. التاريخ مختبر بشري ضخم، من لا يقرأه بهدوء سيكرر أخطاءه وهو يظن أنه يصححها.
في النهاية، التاريخ ليس محكمة…
التاريخ مدرسة…!!
ومن يدخل المدرسة بعقلية القاضي، سيخرج منها جاهلاً ولو حفظ كل التواريخ.
المشكلة ليست في أن الماضي كان متوحشاً، المشكلة أننا نريد ماضياً على مقاس حاضرنا حتى نشعر أننا أفضل. وهذا غرور.
اقرأوا التاريخ بتواضع. تواضع من يعرف أنه هو نفسه، بعد مئة عام، سيبدو بدائياً وظالماً في عيون أحفاده.
