كوبا وعودة منطق “المجال الحيوي” الأميركي…!

 

 

خاص – “الدنيا نيوز”

 

بقلم العميد منذر الأيوبي *

١- العودة إلى قلب الجغرافيا السياسية:
لم يكن التصعيد الأميركي الأخير تجاه جمهورية كوبا مجرد عودة إلى لغة العقوبات التقليدية أو استعادة لخطاب الحرب الباردة بصيغته الكلاسيكية، بل أقرب إلى إعلان سياسي ـ استراتيجي مفاده: أن منطقة البحر الكاريبي عادت مجددًا إلى قلب الحسابات الجيوسياسية الأميركية، بعد سنوات من الانشغال بآسيا وأوكرانيا والشرق الأوسط.

وحين يرفع الرئيس دونالد ترامب سقف المواجهة مع هافانا-العاصمة، مستخدمًا لغة التهديد والعزل وربط الجزيرة بالأمن القومي الأميركي، فإن المسألة تتجاوز إرث الخصومة التاريخية، لتلامس إعادة تثبيت “المجال الحيوي الأميركي” في محيطه الجغرافي المباشر، سيّما في زمن التحولات الدولية الكبرى.

فالولايات المتحدة تنظر بقلق متزايد إلى أي موطئ نفوذ معادٍ قرب حدودها الجغرافية، في ظل مواجهة مفتوحة مع الصين وصراع استنزاف طويل مع روسيا. من هنا يمكن فهم الحساسية الأميركية تجاه أي تقارب كوبي مع موسكو أو بكين أو حتى طهران، خصوصًا في مرحلة انحسار الأحادية القطبية.

٢- من الهيمنة العالمية إلى حماية المجال الحيوي:
في العمق، لا يبدو ما يجري مجرد تشدد ظرفي من إدارة ترامب، بل يعكس تحوّلًا أوسع في التفكير الاستراتيجي الأميركي نفسه. فواشنطن التي قادت العالم لعقود بوصفها القوة الأحادية المهيمنة، تبدو اليوم أكثر ميلًا إلى إدارة التفوق بدل فرض الهيمنة المطلقة، وإلى حماية مجالاتها الحيوية بدل الانخراط غير المحدود في إعادة تشكيل العالم.
بمعنى آخر؛ تتحول الأولوية الأميركية تدريجيًا من مشروع “الهيمنة العالمية المفتوحة” إلى مشروع تأمين “المجال الحيوي الأميركي”، American Strategic Sphere. سواء في البحر الكاريبي أو المحيط الهادئ أو الممرات البحرية الاستراتيجية.
هذا التحول لا يعني تراجع القوة الأميركية بقدر ما يعكس واقعية جديدة فرضتها التحولات الدولية، وصعود الصين، واستنزاف الحروب الطويلة، إضافة إلى الكلفة الاقتصادية والسياسية لإدارة النظام العالمي منفردة.

٣- عودة “مونرو” بصيغة القرن الحادي والعشرين:
في هذا السياق، يبدو السلوك الأميركي أقرب إلى إعادة مُحدثة لِ “عقيدة مونرو” Monroe Doctrine “أعلنها الرئيس الأميركي جيمس مونرو عام 1823″، والتي اعتبرت أن القارة الأميركية تمثل مجالًا حيويًا مغلقًا أمام القوى المنافسة.
لكن الفارق أن النسخة الحديثة من هذه العقيدة لم تعد تعتمد التدخل العسكري المباشر أو الانقلابات التقليدية فقط، بل باتت تستخدم أدوات أكثر تعقيدًا تشمل العقوبات الاقتصادية، الحصار المالي، التحكم بالتكنولوجيا، الحرب السيبرانية، والضغط عبر الطاقة والتجارة.

٤- ما وراء التصعيد… إدارة التنافس لا الحرب الشاملة:
في هذا السياق، لا تُعتبر كوبا مجرد جزيرة صغيرة محاصَرة اقتصاديًا، بل نقطة ارتكاز رمزية واستراتيجية على تماس مباشر مع الخاصرة الأميركية الجنوبية. لذلك يُقرأ أي تحرك فيها أو حولها داخل واشنطن باعتباره رسالة تتجاوز حدودها المحلية.
من هنا عادت المسألة من مجرد ملف سياسي إلى جزء من التخطيط الاستراتيجي الأميركي الهادف إلى تأكيد أن البحر الكاريبي لا يزال تحت المظلة الأميركية، حتى وإن تبدّلت موازين القوى الدولية.

ثم إن اللافت في المشهد الحالي أن إدارة ترامب تجاوزت أدوات الضغط الاقتصادي التقليدية، لتعتمد رزمة متكاملة من العقوبات والحصار المالي والرسائل الأمنية والحرب النفسية والسيبرانية، مع التلويح بخيارات أكثر خشونة. ما يعكس انتقالًا من مفهوم الإحتواء البارد “Cold containment” إلى ما يمكن وصفه بـ “الردع القسري” Forced Deterrence أي خلق بيئة إنهاك داخلي تدفع الخصم إلى التغيير تحت وطأة الاختناق لا الحرب المباشرة.

مع الإشارة إلى أن خلف هذا التصعيد تبرز معادلة دولية أعمق ترتبط بتوازنات القوة والردع المتبادل. إذ يبدو النظام العالمي متجهًا نحو تفاهمات ضمنية بين القوى الكبرى حول حدود النفوذ ومجالاته، بصورة تُذكّر جزئيًا بمناخات ما بعد مؤتمر يالطا عام 1945 المؤسس لملامح النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.

واستطرادًا، يدرك كل من القادة الثلاث (بوتين، ترامب، شي جين بينغ) أن الانزلاق إلى مواجهة شاملة بين القوى النووية الكبرى يهدد بنية النظام الدولي بأسره. لذلك تميل السياسات الحالية لإدارة التنافس بدل الانفجار الكامل، ما يجعل كثيرًا من الأزمات الراهنة أقرب إلى اختبارات نفوذ لا حروبًا وجودية.

٥- صراع البحار والمضائق… قلب النظام الدولي الجديد:
رغم أن القوى الكبرى تسعى إلى توسيع مناطق نفوذها، إلا أن الهيمنة المطلقة أو احتكار أي طرف للممرات البحرية الحساسة قد يقود إلى فوضى اقتصادية ومواجهة دولية مفتوحة. على هذه النقطة الهامة يبرز ما يمكن تسميته توازن النفوذ البحري “Balance of maritime influence”، حيث يصبح الهدف منع أي دولة من تحويل المضائق إلى أدوات خنق استراتيجي دائم.

من هنا يمكن فهم الحساسية الدولية تجاه مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس وبحر الصين الجنوبي، إذ إن أمن هذه الممرات لم يعد مسألة إقليمية فحسب، بل جزءًا من توازن النظام الدولي نفسه.
ولهذا تتجنب القوى الكبرى — رغم صراعاتها — الوصول إلى مرحلة الإغلاق الشامل للممرات البحرية، إذ ان التداعيات ستصيب الجميع، بما فيهم الخصوم أنفسهم.

٦- “إدارة الفوضى” بدل الحسم الكامل:
لكن التحول الأخطر ربما يكمن في أن القوى الكبرى، سواء الدولية أو الإقليمية المؤثرة، لم تعد تسعى دائمًا إلى الحسم النهائي، بل إلى إدارة بيئات إنهاك طويلة الأمد تُبقي الخصوم داخل دوائر الاستنزاف وعدم الاستقرار.
هنا يظهر مفهوم “إدارة الفوضى”، “Chaos Management حيث الهدف ليس إسقاط الخصم بالكامل، بل منعه من التحول قوة مستقرة وفاعلة وقادرة على تهديد التوازنات القائمة.

٧- عالم ما بعد الأحادية:
لا يمكن تجاهل المفارقة الأهم أن كوبا اليوم ليست كوبا الستينيات، كما أن الولايات المتحدة نفسها لم تعد قادرة على فرض إرادتها الأحادية بالسهولة التي كانت متاحة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. فالصين حاضرة اقتصاديًا في أميركا اللاتينية، وروسيا تبحث عن أوراق ضغط مقابلة قرب السواحل الأميركية، فيما تسعى دول الجنوب العالمي إلى توسيع هامش استقلاليتها السياسية بعيدًا عن الاصطفافات التقليدية.

ليصبح السؤال الأعمق ليس قدرة الولايات المتحدة على فرض الضغوط، بل مدى قدرتها على إنتاج استقرار سياسي مستدام عبر أدوات العقوبات والحصار. فالتجارب التاريخية تُظهر أن الأنظمة المحاصَرة قد تضعف اقتصاديًا، لكنها لا تسقط بالضرورة سياسيًا، بل قد تتحول الضغوط الخارجية أحيانًا إلى عنصر تعبئة داخلية يعيد إنتاج السلطة بدل إسقاطها.

٨- كوبا… جزيرة صغيرة في لعبة الأمم الكبرى:
في المقابل، تدرك القيادة الكوبية أن الرهان الدائم على خطاب “الصمود الثوري” Revolutionary Steadfastness لم يعد كافيًا في زمن التواصل الرقمي والانهيار الاقتصادي والهجرة وتآكل البنية الاجتماعية.
لذلك تبدو هافانا أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف تحافظ على سيادتها السياسية دون الانزلاق إلى عزلة قاتلة…؟ وكيف تنفتح اقتصاديًا دون أن تتحول إلى ساحة نفوذ خارجي بالكامل…؟.

في المُحصلة، لا يبدو ما يجري مجرد أزمة عابرة بين الولايات المتحدة وكوبا، بل مؤشرًا على عودة الجغرافيا السياسية الصلبة إلى قلب العلاقات الدولية. كوبا تجد نفسها مرة أخرى — منذ أزمة الصواريخ عام 1962 — على تخوم لعبة الأمم الكبرى: جزيرة صغيرة في الجغرافيا، لكنها كبيرة في رمزية الصراع على شكل النظام الدولي المقبل…!.

——————————
*عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية