قراءة في اداء ترامب … استراتيجية تبحث عن اتجاه..!
خاص – “اخبار الدنيا”

بقلم العميد منذر الأيوبي*
ليست المسألة في نتائج أداء ترامب في الشرق الأوسط، بل في المنطق الذي يحكم هذا الأداء، حيث تتقدّم القوة كأداة لفرض الوقائع فيما تتراجع الاستراتيجية إلى موقع البحث عن اتجاه. لذلك، يتجاوز هذا السلوك معايير النجاح والفشل التقليدية، لأنه لا ينبع من رؤية متكاملة بقدر ما يعكس مزيجًا متناقضًا من الحسم السريع والاندفاع غير المستقر.
وانطلاقًا من هذا المنطق، تتشكّل مقاربة ترتكز على أولوية الضغط العسكري والاقتصادي، لا كخيار أخير، بل كوسيلة أساسية لإعادة تشكيل التوازنات. ويتجلّى ذلك بوضوح في التعامل مع ايران حيث يتجاوز الضغط حدود الاحتواء التقليدي ليقترب من محاولة كسر الإرادة الاستراتيجية. غير أن هذا النوع من الأداء، رغم قدرته على تحقيق تفوّق تكتيكي سريع، يطرح إشكالية جوهرية: كيف يمكن تحويل هذا التفوّق إلى استقرار إقليمي مستدام…؟
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل البعد الطاقوي، حيث تُستخدم موارد الطاقة ومساراتها كأداة ضغط جيوسياسي تتجاوز بعدها الاقتصادي، خصوصًا في ما يتصل بعلاقة الولايات المتحدة مع الصين. فالتضييق على إيران، والتحكم بالممرات الحيوية، لا ينعكسان فقط على توازنات المنطقة، بل يطالان بشكل غير مباشر الاقتصاد الصيني المعتمد على تدفّق الطاقة من الشرق الأوسط.
كما أن أي اضطراب في هذه الممرات يمسّ اقتصادات دول الخليج وأوروبا، ويدفعها إلى مزيد من الارتهان للغطاء الأميركي، سواء عبر الحماية الأمنية أو عبر البحث عن بدائل أكثر كلفة. غير أن هذا الاستخدام، رغم فعاليته التكتيكية، لا يرتقي إلى مستوى استراتيجية متكاملة، ما يعيد إنتاج الفجوة ذاتها بين القدرة على التأثير اللحظي وغياب الرؤية بعيدة المدى.
في توصيف العلاقة بين القرار السياسي والمؤسسة العسكرية، يمكن القول إن الأخيرة لا تعمل كمرجعية مُلزمة بقدر ما تشكّل منصّة خيارات. فالبنتاغون يقدّم سيناريوهات دقيقة لكيفية إدارة العمليات وتقدير كلفتها وتوقيتها، لكنه لا يحدّد بالضرورة اتجاه القرار. هنا، يتدخّل منطق ترامب القائم على الانتقائية، فيتبنّى ما ينسجم مع إيقاعه السياسي ورؤيته. وعليه، تتشكّل معادلة دقيقة: احتراف تكتيكي تُنتجه المؤسسة العسكرية، يقابله قرار سياسي مرن. هذه الثنائية تُبقي الاستراتيجية في حالة سيولة، أي قابلة لإعادة التبدّل وفق حسابات اللحظة.
ولا يمكن ردّ هذا السلوك إلى خلفية دينية صلبة بقدر ما يرتبط بتوظيفٍ انتقائي للخطاب الديني ضمن سياق سياسي داخلي، حيث يتقاطع تأثير “المسيحيين الإنجيليين” مع حسابات النفوذ في الشرق الأوسط. حيث الدين لا يظهر محركآ مباشرآ للقرار، بل عامل داعم لخيارات تُبنى أساسًا على منطق براغماتي يرى في القوة وسيلةً لفرض الوقائع، وفي التفاوض أداةً لتحويلها إلى مكاسب.
في موازاة ذلك، تتجلّى المفارقة في أن الإدارة نفسها التي ترفع منسوب التصعيد، تطرح في الوقت عينه إشارات تفاوضية، وكأنها تدير معادلة “اضرب ثم فاوض”. إلا أن هذا النمط، في بيئة شرق أوسطية شديدة الحساسية، لا ينتج تسويات بقدر ما يعمّق انعدام الثقة، فالتفاوض تحت الضغط المباشر يفقد أحد شروطه الأساسية: التوازن النسبي بين الأطراف.
ثم ان هذا النهج لا يقتصر توصيفه على القراءة التحليلية، بل تؤكده كتابات عدد من الصحفيين والمحللين الغربيين، حيث يشير Simon Tisdall إلى مفارقة لافتة في سلوك الرئيس الأميركي، تتمثّل في الانتقال من خطاب رافض للحروب إلى مقاربة أكثر اندفاعًا نحوها، في ظل غياب مفاوضات فعلية رغم التصريحات المتكررة عن قرب التوصل إلى اتفاق.
كما ترى تحليلات Reuters أن هذا النهج يسهم في إضعاف موقع الولايات المتحدة دوليًا، نتيجة الجمع بين التصعيد العسكري والتردد في بلورة هدف نهائي واضح.
استطرادآ، تعكس تقارير The Washington Post حالة من الدفع نحو خيارات عسكرية متقدمة دون حسم سياسي نهائي، فيما تشير قراءات اقتصادية، أن الإشارات المتناقضة الصادرة عن الإدارة الأميركية بدأت تُربك حتى الأسواق المالية، ما يعكس اتساع دائرة التناقض من السياسة إلى الاقتصاد.
تزامنآ، يتعزّز الانحياز الاستراتيجي لصالح اسرائيل، ليس فقط كحليف، بل كركيزة في إعادة صياغة النظام الإقليمي. هذا الدعم يمنح هامشًا أوسع للحركة العسكرية، لكنه في المقابل يضعف موقع الولايات المتحدة كوسيط، ويدفع المنطقة نحو استقطاب حاد، حيث تتراجع فرص الحلول الوسط لمصلحة توازنات قسرية.
ضمن هذه المعادلة، يظهر لبنان بوصفه ساحة انعكاس لا مركز قرار. فالتعامل مع حزب الله لا يتم كملف لبناني داخلي، بل كامتداد مباشر للصراع مع إيران. كما أن القيود المفروضة والمتوالية، رغم تأثيرها على مستوى التمويل والدعم اللوجستي، لم تؤدي إلى حسم تحييده، بل حفزت إعادة ترميم بنيته القتالية وتموضعه السياسي بشكل أكثر تشددًا، بما يعزّز موقعه الداخلي رِهان حجز مقعده على طاولة التفاوض ولو بصورة غير مباشرة.
من جهة اخرى؛ الجيش اللبناني في موقع دقيق، بين ضغط دولي لتطبيق القرار الاممي 1701 وحرص داخلي لعدم الدخول في مواجهة مفتوحة. وهكذا يتحول دوره إلى إدارة الاستقرار، في تعبير واضح عن الفجوة بين القرارات الحكومية والقدرة السياسية والميدانية على التنفيذ.
أما الوساطات المطروحة لوقف العدوان، سواء من بعبدا أو عبر قنوات دولية، فلا تبدو كمسار مستقل، بل امتدادًا مباشرًا لموازين القوة. فالتفاوض هنا لا يُنتج تسوية بقدر ما يفرض قبولًا، لتتحول العملية السياسية إلى “لحظة صفقة” قائمة على اختلال التوازن.
وعلى مستوى أوسع، من المرجّح أن تبقى إيران في مسار تصعيدي متدرّج يقرّب المنطقة من حافة الانفجار، يتبعه فتح قنوات تفاوض مفاجئة قد تُفضي إلى اتفاق بشروط مشددة. إلا أن هذا السيناريو يفترض قبولًا من موقع ضعف، وهو أمر غير مضمون، بل قد يقود إلى نتائج معاكسة تزيد من حدّة التوتر.
في الخلاصة، تكشف سياسة الرئيس ترامب في الشرق الأوسط عن معادلة واضحة: تفوّق تكتيكي تقابله فجوة في الرؤية الاستراتيجية. فبينما تنجح أدوات الضغط في فرض وقائع سريعة، تعجز عن إنتاج تسويات مستدامة. وبين حرب تُدار وسلام لا يكتمل، تتكرّس معادلة الاستقرار الهش، حيث لا تُحسم الصراعات، بل يُعاد إنتاجها ضمن توازنات قابلة للاختلال في أي لحظة.
*عميد متقاعد، مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية