مميزالرأي السياسي

فخ الصحراء ..!

 

بِقَلَم العَميد مُنْذِر ألأيوبي*

 

للمرة الاولى في تاريخها تجد جمهورية مصر العربية نفسها مهددة في أمنها القومي مطوقة باعداء طارئين من الجهات الاربع ، ف اسرائيل العدو التاريخي المغتصب ارض فلسطين رغم تموضعها ألحالي في مرحلة خمود Subsidence عدائي فرضته اتفاقية كامب دايفيد الموقعة عام 1978 و معاهدة السلام 1979 و ما نتج عنهما مِن صلح مذل خارج عن الواقع الجيوسياسي متناقض مع صيرورة التاريخ و رؤى الشعوب العربية ألمكبلة الطيعة بين أيدي حكامها فإن قيادة الاركان العسكرية المشتركة لجيش العدو تبقي العين ساهرةً مفتوحة عَلى القاهرة إذ أن التوسع الديموغرافي عامل قلق أول “100 مليون نسمة تقريبآ- أكبر دولة مِن حيث عدد السكان في الشرق الاوسط” كما تمثل القوات المسلحة المصرية بفروعها المختلفة الهاجس الدائم حيث يبلغ عَديدُها حوالي مليون جندي و رغم مرور عدة عقود على هذا ألصلح ألمنفرد إلا أن العقيدة القتالية للجيش المصري بقيت ثابتة العدو المحتل يتموضع شرقآ “الشرق وجهة القتال” و مع كل شروق تتابع الوحدات الخاصة “البحرية – المظلات – الصاعقة” إضافة الى الوحدتين المميزتين 777 و 999 تدريباتهم لتنفيذ ألمهام القتالية الشديدة الحساسية و الخطورة خلف خطوط العدو و حماية اليلاد و مكافحة الارهاب..!

من الجهة الجنوبية الشرقية حيث العمق الصحراوي تمكنت التنظيمات الاصولية و الارهابية المتعددة “التكفير و الهجرة- القاعدة في سيناء- انصار الشريعة- أجناد مصر- مجلس شورى المجاهدين ” إلخ… ألمدعومة و ألمغذاة من اجهزة مخابراتية دولية و اقليمية من التوغل و إيجاد بيئة حاضنة مستغلة ألإلتزام الديني و ألإحتقان الشعبي بين الحكومة المركزية و غالبية اهالي شبه جزيرة سيناء الذين يعانون إهمالآ مزمنآ و نقصآ في الخدمات الاساسية و البنى التحتية و المشاريع التنموية متحالفة مع قبائل البدو المسلحة (الجواسيس) ؛ و إثْرَ ارتكابها (الجماعات الارهابية) سلسلة هجمات دموية استهدفت الكنائس و المراكز الدينية القبطية و المنتجعات السياحية و قَواعد ألشرطة نجحت القيادة الامنية المصرية في ضرب خلاياها و لجم عملياتها مع إرغامها عَلى الفرار او ألإنكفاء نحو الداخل الصحراوي لشبه الجزيرة محبطة خطتها في زعزعة الامن و زرع الفتنة بِما يؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي المصري و شل الحركة ‏السياحية ..!

 

جنوبآ ، يشكل سد النهضة “ألكهرومائي” Hydroelectric ألضخم في أثيوبيا او سد ألألفية الكبير ألمشاد عَلى النيل الازرق بالقرب مِن الحدود الاثيوبية – السودانية تهديدآ للأمن المائي المصري فهو سيقلل او يقنن حصة “دولة المصب” مصر مِن مياه نهر النيل كما سيتسبب بانخفاض مستوى المياه في بحيرة ناصر حوالي 3m و بألتالي سيؤثر عَلى انتاج الطاقة الكهربائية مِن سد أسوان إذ ستتقلص قدرة التغذية نحو 100 Megawatts أي نسبة 25% مِن الانتاج الاجمالي ..!

إستطرادآ ، رغم انشاء عدة لجان من الخبراء الدوليين لمراجعة و تقييم آثار بناء ألسد البيئية

و الجيولوجية فان المفاوضات المصرية الاثيوبية و بالرعاية الدولية لتحديدحصص المياه لَم تصل الى نتيجة حاسمة حتى الان ، كما اخفقت الوساطة التي قام بها الرئيس الاميركي دونالد ترامب في التوصل الى حل مقبول و مناسب لدول الحوض الثلاث اثيوبيا – السودان – مصر ..! مع ألإشارة أن أديس أبابا ستباشرالاسبوع القادم تخزين المياه قي بحيرة السد مع بدء موسم الفيضانات ؛ لا زالت قناعة مصر أن مواجهة القرار الاثيوبي ألأحادي الغير منسق و المتعنت يتم قانونيآ و سياسيآ و أمميآ (مجلس ألأمن) إلا أن الخيار العسكري لدى القيادة المصرية يَبقى قائمآ فَهي تعتبر “ألأمن المائي أمر يحظر إنتهاكه عَلى الاطلاق” ؛ “مصر هبة النيل” و لن يسمح ان تكون امداداتها مِن المياه مهددة بالانقراض ..

غربآ ؛ الحرب في ليبيا ، بعد مرور عشر سنوات عَلى سُقوط نظام الرئيس الليبي معمر القذافي

لا تزال البلاد غارقة في أزمة سياسية و إنفلات أمني متداخل مع حرب اهلية و قبائلية متعددة الاطراف تغذيها تدخلات دولية متتابعة أو متناقضة وِفقآ للمصالح الجيواستراتيجية لكل دولة اوروبية أو اقليمية أو عربية سواءً متشاطئة متوسطيآ (فرنسا ، إيطاليا إلخ..) أم غير واقعة عَلى سواحل البحر المتوسط (الولايات المتحدة ، المانيا الخ..) .. بالإضافة إلى أزمة اقتصادية حادة مع انهيار في قطاعات الخدمات و الصحة و غيرها .. مترافقة مع موجات نزوح جماعية و هجرة داخلية لعشرات الآلاف مِن السكان ..

من جهة أُخرى ، تشكل الاراضي الليبية عمقآ إستراتيجيآ للقيادة المصرية كما تجمع البلدين العربيين مصالح مشتركة و إذ فرمل الربيع العربي الكثير مِن العلاقات بين الدول العربية فان مِن بين نتائجه و ذيوله أيضآ سُقوط الاتفاقيات و تفكك الروابط أو انحسارها الى الحد الادنى مترافقآ مع الهاء كل دولة عن الهموم العربية المشتركة منصرفةً لحل مشاكلها ألداخلية و هذا ما انطبق ايضآ عَلى الواقع المصري – الليبي ..

بعد سُقوط نظام الرئيس معمر القذاقي عام 2011 و نتيجة إنغماس العديد مِن الاطراف الاوروبية و الاقليمية في الحرب عَلى ليبيا كل عَلى خلفية مصالحه الجيوسياسية و مطامعه في المنابع النفطية 

و مخزوناتها الهائلة دخلت ألأزمة الليبية صراعآ حادآ عَلى السلطة انقسامآ سياسيآ عاموديآ عميقآ بين طرفيها حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليآ من جهة مركزها العاصمة طرابلس الغرب و الحكومة ألمؤقتة المنبثقة عن برلمان طبرق عام 2014 برئاسة عبدالله ألثني من جهة أُخرى مركزها مدينة بنغازي التي تعتبر و تعترف باللواء خليفة حَفتَر قائدآ للجيش الوطني الليبي ..! و في ذروة هذا الصراع الداخلي المحتدم سياسيآ و عسكريآ فإن سير المعارك بَقي في دائرة كر و فَر دون اي حسم نهائي ميداني لتقدم فريق عَلى آخر ..!

 

تزامنآ ؛ في حين كانت قوات اللواء حَفتَر تطوق العاصمة طرابلس عام 2019 تمهيدآ لدخولها

كان رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج المعترف به دوليآ يحُط في العاصمة التركية انقرة محاولآ تغيير قَواعد اللعبة ، تلقف الرئيس التركي رجب طيب اردوغان مبادرة الرئيس السراج

و وفق مرتكز إستراتيجي إيديولوجي ، ديني و تاريخي فإن التمدد التركي في الاقليم عسكريآ او ميدانيآ يتساوى مع المكاسب السياسية إن لَم يكن قيمة مضافة . نجح أردوغان في إيجاد موطيء قدم على الساحل الشمالي الافريقي حيث تم التوقيع بين الطرفين عَلى إتفاقية انقرة 2019 المتعلقة أولآ بترسيم الحدود الملاحية في البحر المتوسط تبعها مذكرة تفاهم تسمح بناء لطلب حكومة الوفاق إرسال قوات تركية و انشاء قَواعد عسكرية في ليبيا كما تشمل التعاون في مجالات الامن ، ألتدريب العسكري ، الصناعات الحربية ، مكافحة الارهاب و الهجرة غير الشرعية .. إستطرادآ ؛ قدم الدعم العسكري التركي لحكومة الوفاق شبه تعادل في القوى مع جيش اللواء حَفتَر المدعوم مِن مصر و السعودية و دولة الامارات العربية و الخبراء العسكريين – المرتزقةالروس بقيادة ألكولونيل Dimitri Utkin التابعين لشركةواغنر Wagner Group ..!

 

تطورات ألأزمة الليبية زاد مِن لهيبها التدخل العسكري التركي و عَلى وقع التراجع الدراماتيكي السريع لقوات شرق ليبيا التابعة للواء حفتر عن مواقعها لا سيَما إنكفاءها عن محيط العاصمة بعد حصار دام أكثر مِن سنة جاءت المبادرة المصرية (إعلان القاهرة) لحل ألأزمة التي أعلنها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من قصر ألإتحادية في 6 حزيران الحالي بحضور رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح و ألمشير حفتر متضمنة وقفآ شاملآ لإطلاق النار مرتكزة على نتائج قمة برلين التي عقدت في كانون الثاني 2020 مع دعوة أطراف الصراع للالتزام بحظر تصدير السلاح و تفعيل أعمال اللجنة العسكرية (5+5) التي ترعاها الأمم المتحدة وصولآ إلى التسوية السياسية ، كما تهدف المبادرة أيضآ إلى ضمان تمثيل عادل لِأقاليم ليبيا الثلاثة (طرابلس – برقة – فزان) في مجلس رئاسي منتخب مِن الشعب تحت إشراف الأمم المتحدة مع التزام الجهات الأجنبية سحب المرتزقة و تفكيك المليشيات و تسليم أسلحتها ؛ و في دعم مباشر لاعلان القاهرة أعتبرت موسكو عَبرَ الناطق باسم وزارة الخارجية الروسية “ان المبادرة يمكن ان تكون أساسآ لمفاوضات طال انتظارها”..! لَم تصمد المبادرة طويلآ إذ اعلن رئيس المجلس الاعلى للدولة خالد المشري رفضها قائلآ “لا مكان لحفتر في اي مفاوضات قادمة” مؤكدآ ان ليبيا دولة ذات سيادَة معتبرآ أنها تدخل مصري في الشأن الليبي ..!

 

مما لا شك فيه ان رفض المبادرة رفع منسوب التوتر كما إستشعر الرئيس المصري ان دحر الجيش الوطني بات مسألة وقت بعد تراجع وحداته الى مدينة سرت التي تبعد 450 km شرق العاصمة و نجاح قوات حكومة الوفاق مِن إستعادة غرب ليبيا بدعم عسكري تركي واسع .. و مع تسارع التطورات حطت طوافة ألرئيس السيسي السبت الماضي عَلى مدرج قاعدة جرجوب العسكرية الحديثة ذات الاهمية الاستراتيجية الواقعة غرب مدينة مرسى مطروح قرب الحدود مع لبيبا و في مهامها حماية المنطقة الاقتصادية على الساحل الشمالي و الحدود المصرية – ألليبية و مِن هناك اعلن استعداد مصر للتدخل العسكري حماية لأمنها القومي و لتأمين الاستقرار في الداخل الليبي قائلآ “أن أي تدخل مباشر من الدولة المصرية باتت تتوفر له الشرعية الدولية سواء في ميثاق الأمم المتحدة – حق الدفاع عن النفس أو بناء لطلب مجلس النواب السلطة الوحيدة المنتخبة من الشعب الليبي”..

رأت حكومة الوفاق موقف القاهرة بمثابة “اعلان حرب” Déclaration Of War في حين اعلنت الرئاسة التركية “تفهمها المخاوف الأمنية المشروعة لدى القاهرة حيال الحدود مع ليبيا غير أنها تنتهج سياسة خاطئة بدعم قوات المشير خليفة حفتر” تاليآ إعتبر السيسي أن منطقتي”سرت و الجفرة خط أحمر” مؤكدا 

أن “ليبيا لن يدافع عنها إلا أهلها، وسنساعدهم في ذلك”.. إذن فرضية الانزلاق نحو مواجهة مباشرة بين الجيشين التركي و المصري أصبحت مرتفعة الاحتمالات و لم تعد الحرب بين الوكلاء المحليين ..!

 

بألمقابل فإن زيارة الوفد ألأميركي الديبلوماسي العسكري الذي يضم السفير Richard Norland و قائد القيادة العسكرية في افريقيا US.AFRICOM الجنرال Stephen Townsend اول مِن امس العاصمة الليبية و لقاءه الرئيس السراج و رئيس الاركان محمد الشريف بدت رسالة مفادها العودة الى الساحة الليبية مِن بوابة حلف شمال الاطلسي حيث تحتل فيه تركيا مرتبة متقدمة مع سعيها لتهدأة التوتر بينها و بين عضوي الحلف فرنسا و اليونان كما تمثل إنحيازآ بوجه حلفائها أيضآ مِن إلدول العربية لصالح تركيا و اطماعها الجيوسياسية في الاقليم ..

ألسؤال المرتسم دون مبالغة ؟ هل تمكن ألرئيس التركي من إقناع الرئيس ترامب بصوابية استراتيجيته في غايتها أولآ كبح جماح النفوذ الروسي في ألأقليم ..؟ ماذا عن إستحصاله ثانيآ على موافقة مضمرة تمهيدآ لسيناريو إستدراج ألرئيس ألمصري عبد الفتاح ألسيسي للتدخل ألعسكري ألمباشر في ليبيا بألتزامن مع تأجيج المعارضة الداخلية في وجهه على خلفية الوضع المعيشي و بألتالي اسقاطه و إعادَة إحياء نظام حكم موالي “ألأخوان” ..!!

ختامآ ؛ يبدو أن ألألغام في بحار ألإقليم و المضائق ألبحرية جبل طارق ، هرمز ، ألدردنيل إلخ .. حيث احتجزت سفن و أعطبت ناقلات و اسقطت مسيرات قد إستُنفِذَت ، لكن ألأفخاخ جاهزة و فخ الصحراء الليبية حارق صيفآ متعدد ألأسنان ينتظر إما ألإطباق على مصر أو تركيا أو ألإثنين معآ ؛ أما المستفيد الرئيسي مما يجري أو يُنصَب فهو “زارع ألأفخاخ” Planter Snares ألعدو ألإسرائيلي بألمطلق ..!

 

بيروت في 26.06.2020

مقالات ذات صلة