سوريا: بين ديناميات النفوذ الإقليمي وإعادة التموضع الدولي…!
خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم العميد منذر الأيوبي*
ما يجري على أرضها اليوم لم يعد نزاعاً داخلياً بقدر ما هو صراع نفوذ وتنافس اقتصادي، تتقاطع عنده حسابات القوى الكبرى. فمنذ سقوط النظام السابق ودخول سوريا حقبة جديدة بدأ يُرسي ملامحها المستقبلية رئيس المرحلة الأنتقالية أحمد الشَرع، تحولت إلى مركز اختبار حَي لإعادة توزيع القوى في الإقليم. من هنا يفرض السؤال نفسه بوضوح: هل تتجه سوريا إلى أن تكون منطقة نفوذ تركي آحادي متقدم ، أم أنها ستبقى ساحة شدّ حبال مفتوحة بلا حسم وبالتالي تتأرجح بين وحدة وتقسيم…؟
في هذا السياق، حرصت تركيا خلال العقد الأخير على ترسيخ حضور مركّب داخل الجغرافيا السورية، جمع بين انتشار امني وعسكري حدودي في البدايات، ليتطور لاحقآ إلى اقتصادي واداري ثم إلى نفوذ سياسي يتمتع بعلاقات وتأثيرات على بنية القرار من خلال النظام الحالي. هذا الحضور ليس ظرفياً، بل واقعاً يصعب التراجع عنه، ما يمنح أنقرة ورقة ضغط مباشرة في قلب المشرق العربي.
في المقابل، لم يكن المشروع الإيراني في سوريا أقل طموحاً. فطهران لم تبنِ نفوذها على تحالف سياسي عابر، بل على بنية عميقة من التحالف السياسي والعسكري وامتدت جذورها إلى النسيج الاجتماعي والإرتباط الديني. ورغم ما تعرض له هذا النفوذ من ضغوط، إلا أنه لم ينكسر نهائيآ، اذ يحاول اعادة تموضعه بأشكال أكثر مرونة، سيما في الشمال والشرق السوري، ليكون عاملاً حاضرآ في أي معادلة مقبلة.
هنا لا يمكن تجاهل الدور الروسي. موسكو، رغم انشغالها في الحرب على أوكرانيا وإدارة التوتر مع أوروبا، لا زالت تمسك بخيوط أساسية مع النظام الجديد، حريصة في آنٍ على منع أي طرف اقليمي تحويل نفوذه إلى سيطرة كاملة. هذا الدور لا يقوم على التوسع العسكري بل يرتكز ايضآ على تفاهمات تسمح بإدارة التوازن الاستراتيجي على الساحة السورية.
عند هذا التقاطع، تسقط فرضية تحويل سوريا إلى جبهة تركية في مواجهة إسرائيل. فأنقرة، مهما رفعت من سقف خطابها تحديآ للإحتلال وتضامنآ مع الفلسطينيين في الضفة وغزة، تدرك تمامآ حدود حركتها ضمن شبكة مصالحها مع الغرب وعضويتها المتقدمة في حلف شمال الأطلسي. لذا تمارس سياسة ضبط التوتر دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
توازياً، تشهد المنطقة ما يشبه زلزالاً جيوبوليتيكياً مفتوحاً، مع احتدام المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة اخرى. في مثل هذه اللحظات، يتحول الاقليم بمجمله وليس فقط الجغرافيا السورية إلى ساحة امتصاص وارتداد في آن معاً، حيث تتقاطع خطوط الاشتباك بالنار مع إمدادات الطاقة وحقول الغاز.
أما لبنان، القابع جغرافياً وسياسياً على تخوم هذه التحولات، فلن يكون بعيداً عن تأثيراتها. كما ان العدوان الاسرائيلي المتواصل والمتصاعد لن يتوقف قبل تبلور نتيجة المواجهة مع طهران، بالرغم من عرض المفاوضات المباشرة المُعلق الذي تتبناه فرنسا.
بالتالي فإن تغير المعادلات تفرضه نتائج الميدان، وكل إنقلاب في موازين القوى الاقليمية ينعكس على سوريا في خياراتها والإرتدادات، وبالحتمية ذاتها على الحال اللبنانية المأزومة. فالجغرافيا بين البلدين تَحكُم، لا بل تفرض في كثير من الأحيان ترابطاً قسرياً، حيث تنتقل التأثيرات من ساحة إلى أخرى بصورة شبه تلقائية..
———————————
*عميد متقاعد، مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية