سلسلة حيوانات في ذاكرة الأمم (2) الأسد – ملك الغابة وسيد الشعارات

 

خاص – “الدنيا نيوز”

 

 

بقلم : دانيا يوسف*

حديثنا اليوم حول سيد الأرض بلا منازع، الكائن الذي يتربع على عرش الغابة وعلى صدر عشرات الدول والشعارات. إنه رمز القوة والشجاعة والنبل الذي اجتاز حدود القارات والثقافات: الأسد.
نغوص معا في أعماق التاريخ… إلى بلاد ما بين النهرين، حيث نحت الآشوريون تماثيل “لاماسو”، تلك الكائنات الأسطورية التي تجسد قوة الملك وحكمته، وهي مكونة من رأس إنسان، وجسد أسد، وأقدام ثور، وأجنحة نسر.
وتم تجميع الأربعة عناصر لتكون الكمال حسب الثقافة الآشورية حيث يمثل الأسد الشجاعة، والثور القوة، والنسر المجد، والإنسان الحكمة.. كان الأسد يمثل القوة الجسدية الهائلة التي تحمي المملكة من الأعداء. وفي حضارات أخرى، مثل الفرس، كان الأسد مرتبطًا بالإلهة أناهيتا، رمزا للقوة والحماية.
ولكن الرحلة لا تتوقف هنا. في الثقافة الإسلامية، اكتسب الأسد مكانة روحية وأدبية فريدة. لم يكن مجرد رمز للقوة العسكرية، بل للقوة المعنوية أيضا. غالبا ما يُنظر إلى الأسد على أنه علامة التقوى والشجاعة والقيادة، فضلا عن كونه حاميا للعقيدة وحارسا للمقدسات. كما يعد الأسد رمزا للمحاربين والشهداء الذين جاهدوا وماتوا في سبيل الله والإسلام. وكثيرا ما يستخدم الأسد كلقب أو لقب لأبطال الإسلام، مثل حمزة بن عبد المطلب عم النبي الذي كان يلقب بأسد الله وأسد رسوله.
ومع انتشار الحضارة، عبر الأسد البحر المتوسط ليصبح رمزا للملكية في أوروبا. وها هو يزين شعارات النبالة للعديد من العائلات المالكة. أشهر مثال هو “أسود ليون” على شعار النبالة الملكي لإنجلترا. ثلاثة أسود ذهبية على خلفية حمراء! هذا الشعار، الذي يعود إلى ريتشارد قلب الأسد، أصبح أحد أكثر الرموز شهرة في العالم، وارتبط بالقوة البحرية والتوسع للإمبراطورية البريطانية التي “لا تغرب عنها الشمس”.
وفي عالمنا العربي، يحمل الأسد دلالات أعمق. إنه ليس فقط رمزا للقوة، بل للقومية والكرامة والحرية. لننظر إلى شعار سوريا. “نسر صلاح الدين” يحمل درعا عليه علم البلاد، وعلى صدر العلم نجمتان، وفي أسفله أسدان يقفان شامخين كحارسين للعلم والتاريخ. وفي شعار المغرب، نرى أسد الأطلس المنتصب، رمز القوة والنبل، ممسكا بالشمس المشرقة على خلفية زرقاء ترمز للسماء والبحر.
وحتى على عملة الدينار الأردني، نرى الأسد يحمل سيفا، وهو رمز مستمد من تاريخ الأردن العريق. الأسد هنا هو حارس الأرض والهوية.
لكن قوة الأسد لا تعني فقط الغضب والشراسة. في الثقافات الآسيوية، نرى وجها آخر له. في الصين، تماثيل الأسود الحجرية التي تسمى “أسود الحراس” والتي توضع أمام القصور والمعابد، ليست لإخافة الأعداء فقط، بل لطرد الأرواح الشريرة وحماية المكان بالبركة. إنه تجسيد للقوة الواقية والحامية.
والسؤال الذي يطرح: لماذا كل هذا الانتشار وما سر هذه الجاذبية العالمية للأسد؟
لا يختلف اثنان على أن الأسد هو أقوى مفترس في البرية، مما يجعله التجسيد المثالي للقوة العسكرية والسيادية. أضف إلى ذلك أنه يمتلك هيبة ملكية. فوقفته المهيبة تمنحه نوعا من السلطة دون حاجة للقتال. فالاسد يعبر عن القيادة بالفطرة.
ولا ننسى صورة الأسد المطبوعة في الوجدان العام كحامي للقطيع وهذا ما يعكس دور الحاكم أو الدولة في حماية شعبها وأرضها. فالأسد هنا رمز الأمان.
في النهاية، الأسد في شعارات الدول هو أكثر من مجرد رسم. إنه رسالة إلى العالم عن هويتنا، عن قوتنا التي نفتخر بها، ونبل أهدافنا، وإرثنا التاريخي الذي نحمل مسؤوليته. إنه تذكير بأن القوة الحقيقية هي تلك التي تحمي وتُعمر، لا تلك التي تهدم وتدمر.

————————————————

* رئيسة القسم الثقافي في موقع “الدنيا نيوز”