سلسلة أعلام الأدب العربي (٢) أبو القاسم الشابي… شاعر الخضراء
خاص – “الدنيا نيوز”
بقلم : دانيا يوسف*
الشابي:
“ها أنا أنظر، فإذا اصحابي المتوفون يعودون إلى الحياة ثانية كأجّل واجمل ما عرفتهم اول مرة، وإذا بنفسي تمثل معهم فصول الحياة الغابرة التي مثّلناها بالأمس وطوتها الدهور، وتنسى متاعب العيش وأحزان الحياة، وتحسب أنها ما زالت تلك النفس التي عرفتها بالأمس مضحاكة فرحة كقبرّة الحقول”.
تلك كلمات شاعر اشتاق إلى الموتى مبكرا، فنال بشوقه مماته، وقد شبّ على نفحات أندلسية يسمعها، وازياء مغاربية يلبسها، درج بها على الجبال وماج فيها عبر البحار، وقضى حياته بها بين البساتين التونسية الخضراء، فهذبت روحه وثقفت شعره.
أبو القاسم الشابي شاعر الخضراء وشاعر تونس الاول في العصر الحديث. ولد عام 1909 في قرية الشابية من ولاية توزر لرجل صالح يدعى محمد الشابي عاش حياته بين حصير المسجد وفضاء المحكمة، وتدرج في المناصب القضائية في تونس. عاش أبو القاسم في كنف ذلك الاب وفي كنف اسرة روحانية متدينة.
التحق الشابي بجامع الزيتونة، اعرق الجامعات العربية، وتخرّج منها عام 1928، ثم التحق بمدرسة الحقوق بنفس الجامعة حاصلا على إجازة في الحقوق عام 1930. في تلك الأثناء، بدأت تظهر عليه أعراض مرض بدأ معه منذ أن كان صغيرا، إذ نشأ يشكو انتفاخا وتفتحا في قلبه عجز الأطباء عن توصيفه. كانت تراوده الأزمات طيلة حياته، فنصحه الطبيب أن يعتزل المجهود البدني والفكري، ولكن هذه التوصيات لم تقف حائلا عن إيقاف هذا الوهج الشعري المتعالي نظما وصياغة، بل زاده قلبه المريض صمودا وثباتا.
الشابي:
“سَأعيشُ رَغْمَ الدَّاءِ والأَعداءِ
كالنَّسْر فوقَ القِمَّةِ الشَّمَّاءِ
أرْنُو إلى الشَّمْسِ المُضِيئةِ هازِئاً
بالسُّحْبِ والأَمطارِ والأَنواءِ
فاهدمْ فؤادي ما استطعتَ فانَّهُ
سيكون مثلَ الصَّخرة الصَّمَّاءِ
مَنْ جَاشَ بالوحي المقدَّسِ قلبُه
لم يحتفل بحِجَارةِ الفلتاءِ”
عاش الشابي كاتبا وناظما، وقد ترك قصيدة “إرادة الحياة” عام 1033 على بحر المتقارب والتي تعدّ واحدة من عظمى قصائد الشعر الحديث، اذ تمزج روح الثورة والطموح، والتمرد والجموح، على المستويين الاجتماعي والسياسي. وكان من أثرها أن ضمنت بعض ابياتها في النشيد الوطني التونسي وكانت ملهمة الشعوب المسحوقة بما تحمله من آمال وتطلعات.
يمتاز شعر الشابي بألفاظ كلاسيكية وأبعاد تراثية ذات خيال حي متوثب، وهو دارس ملمّ بالصنعة الشعرية وليس دخيلا عليها. وغن كانت قريحته قد تشكلت طبيعيا، فقد صاغت القراءات الواسعة في الأدب العربي القديم ذوقه ولفظه. ومما يدلل على نباهة الشابي ما أورده في بعض مقتطفات كتابه “الخيال الشعري عند العرب،1929”.
الشابي:
“الإنسان مضطر إلى الخيال بطبعه، محتاج غليه بغريزته لأن منه غذاء روحه وقلبه ولسانه وعقله. وأن اضطراره اليه جعله في نظره الأول حقيقة لا خيالا وما اصبح يعرف الخيال من الحقيقة الا بعد أن تطورت نظرته الى هذه الخياة واصبح يعرف أن الليل والنهار والعواصف والبحار ليست أرواحا ولا آلهة، وانما هي مظاهر لهذا النظام الالهي العتيد الذي يسخّر كل شيء”.
مع العام 1933 بدأت شهرة الشابي تخرق آفاق تونس، بعد أن أصبح أحد الأصوات الشعرية التي تنقلها مجلة “أبولو” المصرية الناطقة بلسان حال وآمال وإبداعات جيل عربي جديد من أدباء الرومانسية الجديدة.
وقد استصرخ الشابي الإنسان ليعيد اكتشاف ذاته، ويكسر كل القيود التي تحيط بها سواء كانت قيود الاستعمار والطغيان، أو قيود العادات، أو قيود الأدب التي تشوه في نظره قسمات الإبداع الوسيمة مثل تباشير الصباح:
الشابي:
“خُلِقْتَ طَليقًا كَطَيفِ النَّسيمِ *** وحُرًّا كَنُورِ الضُّحى في سَمَاهْ
تُغَرِّدُ كالطَّيرِ أَيْنَ انْدَفَعْتَ *** وتشدو بما شاءَ وَحْيُ الإِلهْ
وتَمْرَحُ بَيْنَ وُرودِ الصَّباحِ *** وتنعَمُ بالنُّورِ أَنَّى تَرَاهْ
وتَمْشي كما شِئْتَ بَيْنَ المروجِ *** وتَقْطُفُ وَرْدَ الرُّبى في رُبَاهْ
كذا صاغكَ اللهُ يا ابنَ الوُجُودِ *** وأَلْقَتْكَ في الكونِ هذي الحيَاةْ
فما لكَ ترضَى بذُلِّ القيودِ *** وتَحْني لمنْ كبَّلوكَ الجِبَاهْ”
ومع حلول العام 1934 انطفأ مشعل الشابي، فغادر الدنيا عن خمس وعشرين سنة لا أكثر، قبل أن ينسج له الشعر عباءة عمر لا ينقضي.
ملأ الصبح الجميل أو التوق للجمال نفس الشاعر الشابي، وملأ المرض والغربة الفكرية والثقافية والنفسية والضياع الذي عاشه مع جيله نفسه سوداوية وألما، ولم تكن سنواته الخمس والعشرون، إلا أيقونات ضوء لامعة جعلته رغم رحيل الجسد لسان الشعب العربي الفصيح، ونفح طيبه الخصيب.
————————————
* رئيسة القسم الثقافي في “الدنيا نيوز”