حين يُساء إلى المُقدّس… تُدان العقول لا الكلمات…
خاص -“الدنيا نيوز”

بقلم… العميد منذر الأيوبي*
ليست الإشكالية في عبارةٍ قيلت بحقّ المُقدّس، بل في البُنيّة الذهنية التي أنتجتها ، وفي السياق السياسي التي منحها وظيفة…. فالإساءة لا تنبع من جرأة التعبير بقدر ما تنشأ من اختزالٍ واعٍ أو قصور غير واعٍ، يُخضِع ما يتجاوز التاريخ البشري لمنطق استغلال من وضاعَة صانعه. وعندما يُستدعى السيّد المسيح إلى ميزان القوّة، لا يكون الخلل في القول فحسب، بل في جهالة عقل او سوء نية…
في هذا الإطار، لا يمكن فصل تصريح بنيامين نتنياهو عن مآربه السياسية. فالمسألة ليست زلّة لسان، بل انعكاس لمنطق يرى في القوّة معيارًا أعلى للفهم، ويُخضع التاريخ لزاوية المُنتصر. وهنا، لا تُمسّ حقيقة المسيح، بل يُساء إلى معناها العميق، إلى حضوره الإنساني والألوهي الذي يتجاوز حسابات الغلبة..
الفاَدي، في جوهر رسالته، لم يكن مشروع سيطرة، بل مسار خلاص. لم يسعَ إلى تأسيس مُلكٍ أرضي، بل أعلن بوضوح أنّ مملكته ليست من هذا العالم. لم يعتمد العنف سبيلًا، بل واجهه بمنطقٍ مغاير “محبّة لا تُقهر حتى في ذروة الألم”.
عند هذا الحدّ، تظهر المفارقة التي يعجز منطق القوّة عن استيعابها: ما يُرى هزيمةً في الحساب البشري، يتحوّل في البعد اللاهوتي إلى ذروة الانتصار. فالصليب، الذي يبدو نهاية، يصبح بداية معنى الحُب، حُب الله للبشرية.
أيّ عقلٍ هذا الذي يعجز عن إدراك أنّ المحبّة، حتى في جروحها، قد تكون الفعل الأكثر تأثيرًا في التاريخ…؟
وأيّ ميزانٍ ذاك الذي لا يرى في الضعف إلا عجزًا، بينما يكشف في عمقه قدرةً على تغيير الإنسان من الداخل…؟
إنّه صدام بين منطقين: منطقٍ يفرُض، ومنطقٍ يُحوّل؛ منطقٍ يُخضع الجسد، وآخر يُحرّر الوعي. الأول ينتج امتثالًا، والثاني يخلق قناعة إيمان. الأول يُراكم السيطرة، والثاني يُعيد تشكيل الإنسان على صورة الخالق. وعليه، فإنّ القضية ليست في ما قيل، بل في كيفيّة الفهم والمَقصَد..
من هنا، فإنّ اختزال المسيح ضمن فلسفة القوّة لا يطال حقيقة الجوهر وسمو الرسالة، بل يكشف نوايا الخَطأة. فالقوّة قد تُرغِم، لكنها لا تُقنًع. قد تُسكِت، قد تفرض واقعًا، لكنها أعجَز من إكتسابها شرعيةً أخلاقية.
قد تنتصر القوّة زمنًا، لكنّها تترك خَواءّ لا يُملأ. أمّا ما يتجاوزها فيبقى، لأنّه لا يقوم على إخضاع الإنسان، بل على إستعادته وتحصينه… وهكذا، يبقى الميزان الحقيقي خارج حسابات الغلبة… حيث لا تُدان الكلمات، بل تُدان العقول التي صاغتها.
———————————-
*عميد متقاعد، كاتب