حوار شامل مع الروائي نصر رأفت بعد روايته التحفة “غزال البر”: الكتابة عندي صلاة من نوع خاص

 

كتب المحرر الادبي في “أخبار الدنيا”: 

 

من يقرأ للدكتور نصر رأفت يكتشف أنه أمام قماشة نادرة في الحبكة الروائية، والصياغة الرقيقة التي تخاطب الوجدان ، وتحاكي الاحاسيس البشرية، وتستفز العقول.

نصر رأفت هو الكاتب المحترف والاعلامي القدير، والمُحاوِر اللبق، والمحاوَر الدمِث، والمنتج الغزير في الصناعة الفكرية .

بدأ الكتابة منذ عقدين من الزمان ونشر 15 رواية ، يهوى الصمت ويهرب من ضجيج الإعلام ، ربما لأنه إعلامى بطبيعة الحال ، ورغم كل ما سبق فنادرا ماتجد له حوارا صحافيا أو لقاءً إذاعياً.

 يؤمن نصر بأن الكلمة رسول وأن الرواية رسالة ، فلا يكتب غيرها ..ولا يكتب الرواية إلا ساحر .

طقوسه فى الكتابة هى الوحدة والاعتكاف فى صومعته الخاصة ، ينعزل عن صخب الحياة ساعات طويلة متعبدا فى محراب الأدب ، هاربا من الأيام لا يظهر للحياة إلا بعد أن ينجز شيئا ثمينا يهديه للحياة .

يكتب ليحيا .. يكتب ليستمتع ، ويعوض مافقده من بهجة الحياة خلف جدران العزلة فى صومعته الخاصة .. ثم يعود حاملا جواهره بين يديه .. رواية تتلوها رواية أخرى وقد عاد أخيرا ب”غزال البر” ..

نصر رأفت يتكلم فى هذا الحوار معه والذي بدأناه بالسؤال التقليدي:   

* هل لنا ان نتعرف عليك أكثر ؟  بمعنى هل لنا بنبذة عن نفسك ومسيرتك الأدبية ؟

                   

ـ كاتب روائى وإعلامى مصرى ..حاصل على بكالوريوس الإعلام من جامعة القاهرة ، ودبلوم الدراسات العليا فى الإبداع الأدبى والفنى من أكاديمية الفنون .

عملت بالصحافة فى مؤسسة ( أخبار اليوم ) لمدة عشر سنوات ثم انتقلت إلى العمل بالإذاعة والتليفزيون ، وحاليا أعمل مذيعا فى إذاعة صوت العرب ، وأشغل فى نفس الوقت منصب مدير المذيعيين والمراسلين .

صدرت لى  مجموعة من الروايات والأعمال الأدبية عن كبرى دور النشر المصرية والعربية منها ..رواية ( عاشق القبيحات ) عن دار الفاروق للنشر  ، ورواية ( الأرملة الأولى ) عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ، ورواية ( ماسبيرو ) عن دار نشر مدبولى   ورواية ( سمو الأميرة مركز الحضارة العربية للنشر، ورواية ( كاتمة الأسرار ) الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب .. رواية ( الأفيال تختبىء لتموت ) مركز الحضارة العربية للنشر.. ورواية ( الرجال قوامون على النساء ) عن دار طفرة للنشر  ورواية ( محكمة الأسرة ) عن دار القاهرة اليوم للنشر ودار الشمس للنشر ،ورواية ( كفر الصارم العظمى ) ، ورواية ( الدنيا على كف عفريت ) ورواية ( التاريخ السرى للسيدة الأولى ) عن دار الوصل الإماراتية للنشر ، ورواية ( الحور العين ) الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب التابعة لوزارة الثقافة .

ـ اختارت جامعة ( جورج تاون ) فى واشنطن روايتى ( الرجال لايعرفون الرحمة ) لتدريسها لطلابها ، كأفضل رواية تتناول الحياة فى القرية المصرية فى السنوات العشر الأخيرة .

ـ اختارت كلية الآداب / جامعة بغداد ، روايتى ( الجورنالجى ) لتكون ضمن رسالة دكتوراة فى الأدب العربى تحت عنوان ( الصحافة فى الرواية العربية )  .  

ـ  وصلت روايتى ( كفر الصارم العظمى ) إلى القائمة الطويلة فى جائزة الكاتب الكبير محمد عبدالحليم عبدالله للرواية عام 2025 م .

 

 

“أكتب لأستمتع ولا أهتم بسوق النقد الذى تحكمه المجاملات”

 

*حدثنا عن البدايات ، واهمها بداية رحلتك مع الموهبة ، وكيف اكتشفت شغفك الأول مع الكتابة ؟!

ـ البداية كانت فى المرحلة الإعدادية ، ولأننى أصلا نشأت فى المحلة الكبرى بمحافظة الغربية ، كنت أزور مكتبة الثقافة بالمحلة ، وأقتنى منها كل فترة رواياتلكبار الكتاب والأدباء فى مصر ، القراءة كانت ومازالتهى المفتاح السحرى للعالم ، كنت أقرأ لأفهم العالم ، وعندما كبرت عدة سنوات عرفت الطريق إلى الكتب، وقلت لنفسى سأكتب ليفهمنى العالم .

* ماالتجارب أوالخطوات التى ساعدتك على صقل موهبتك وتطوير أدواتك ؟

ـ لاشك أن القراءة تأتى فى مرحلة ثانية بعد الحكاية التى كانت ترويها أمي لي من واقع تجاربها وخبرتها فى الحياة ، لقد وهبني الله أما حكاءة بالفطرة من طراز فريد ، لاتتوقف عن سرد القصص المدهشة ، وعندما كنت طفلا كنت أسمعها تحكى حتى ظننت أنها تمتلك صندوقا من الحكايات تخفيه فى مكان ما ، وعندما كبرت تأكدت من أنها تمتلك هذا الصندوق بالفعل ..

وهو يتكون من قطعتين لاثالث لهما .. الخيال والخبرة .

وأظن وليس كل الظن إثم أن الكثير من الأمهات يمتلكن هذه الموهبة السردية فى الحكى .

 

* كيف ترى المواهب الأدبية فى المجتمع ، وماهى رسالتك للمواهب الصاعدة ؟!

ـ بدون شك مصر عامرة بالمواهب فى عالم الأدب والكتابة السردية ، والدليل هذا الكم الهائل من الأعمالالإبداعية التى تصدر كل يوم ، كما أن هناك الكثير من المواهب الحقيقية فى قرى ونجوع وأقاليم المحروسة يبحثون عن فرصة للنشر واطلاق العنان لمواهبهم .

هناك مقولة شهيرة كانت تتردد فى السنوات الماضيةتكشف تلك الحقيقة .. ( إن الكتب تكتب فى مصر، وتطبع فى لبنان ، وتقرأ فى السودان ) .

ورسالتى للموهوبين  .. أقول لهم تمسكوا بما أعطاكم الله من موهبة ولاتستسلموا أبدا للظروف مهما كانت صعبة ، فهذه الأرض الطيبة التى أنجبت نجيب محفوظ ويوسف إدريس ، وطه حسين لقادرة على أن تنجب أمثال هؤلاء وأكثر .

إن الكتابة أعظم مهنة ، وأنبل موهبة يمكن أن يحظى بها الإنسان فى الحياة ، لذلك قال أحد الفلاسفة .. ( لايكتب الرواية إلا ساحر) .

 

* ما البيئة المثالية التى تفضل العمل فيها لتقديم أفضل مالديك ؟

ـ العزلة هى اختيارى الشخصى ، فلاأستطيع الكتابة فى مكان فيه أى أصوات أوضجيج ولاأستطيع أن أفكروأكتب فى مكان عام ، لذلك أنا أعيش فى بيت من طابقين .. أحدهما للأسرة ، والآخر لى وحدى أعكف فيه مثل الراهب فى صومعته حتى أنجز رواياتى .

الكتابة مثل الصلاة تحتاج إلى الوحدة والتركيز والخشوع ، والمسيح عليه السلام يقول ..( إذا أردت أن تصلى فإغلق عليك بابك ) .. وأنا أفعل ذلك فى حالتين لاثالث لهما عند الصلاة ، وحين الكتابة .

 

“الكتابة قد تمنحك المال والشهرة والمجد وربما تسرق عمرك”

* ما هي مواهبك الأخرى إلى جانب الكتابة ؟

ـ لاشىء سوى الكتابة ، وإن كنت أعتبر الإعلام موهبة وهواية وحرفة ومهنة جميلة ، حيث أننى أعمل مذيعا محترفا بروح الهواية وذخيرتى فى تلك المهنة هى الموهبة ، وأظن أن الإعلام والكتابة الإبداعية عملة واحدة بوجهين ، رسالتها واحدة وهدفها واحد ألا وهو الوصول إلى عقل وقلب الإنسان أينما كان .

 

* ما هي أبرز الإنجازات التى تفتخر بها فى مسيرتك الادبية ؟

ـ اختيار جامعة ( جورج تاون ) فى واشنطن روايتى( الرجال لايعرفون الرحمة ) لتدريسها لطلابها ، كأفضل رواية تتناول الحياة فى القرية المصرية فى السنوات العشر الأخيرة .

ـ اختيار كلية الآداب / جامعة بغداد ، روايتى ( الجورنالجى ) لتكون ضمن رسالة دكتوراة فى الأدب العربى تحت عنوان ( الصحافة فى الرواية العربية )  .

* من  هي الشخصيات التى تعدها قدوة أو مصدر إلهام لك فى عالم الأدب ؟

ـ من الكتاب المصريين نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس ومحمد عبدالحليم عبدالله ، ويوسف السباعى له مكانة خاصة فى قلبى ، وتعجبنى كثيرا أعمال محمد المنسى قنديل وعلى الصعيد العالمى ديستوفيسكى ، وباولو كويلو ، وفرجينيا وولف .

ـ هل سبق لك المشاركة فى فعاليات معرض القاهرة الدولى للكتاب ، وكيف تصف تلك التجربة ؟!

ـ أكتب منذ عشرين عاما وشاركت فى المعرض عدة مرات ، ولاشك أنها تجربة مدهشة ، وأحس أنها احتفالا شخصيا للكاتب أيا كان اسمه ، أرى أيام المعرض مظاهرة حب من أجل كل من يكتب ويبدع ويقدم شيئا من روحه للعالم .

“الإبداع طريق طويل وصعب ، والكاتب مثل الراهب” .

 

* ما هي أبرز التحديات التى واجهتك فى مشوارك ، وكيف تمكنت من تجاوزها ؟!

ـ مسألة نشر الأعمال الإبداعية كانت هى أصعب التحديات التى واجهتنى ، ومازالت تواجه الكثير من الأدباء الموهوبين .

بمرور الوقت أصبح اسمى معروفا لدى عدد من دور النشر، وعندى أعمالى المنشورة  لذلك أصبحت المهمة سهلة إلى حد بعيد .

*ما المهارات المساندة التى يحتاجها العامل فى المجال الأدبى ، وهل أسهمت هذه المهارات فى تطويرك ؟

ـ الإطلاع المستمر وقراءة معظم الروايات الجيدة التىتفوز بجوائز كبرى ، بدون شك تفتح للكاتب أفاقا جديدة ، وتعطيه مؤشرات إيجابية تساعده فى تطويرأدواته ومهاراته فى السرد الأدبى .

* كيف بدأت قصة التعاون أو التعاقد بينك وبين دار الرجوة للنشر والتوزيع ؟

ـ بدأت بإعلان صغيرعلى مواقع التواصل الإجتماعى عن مسابقة أعلنت عنها الدار للنشر المجانى للأعمال الفائزة ، أرسلت رواية ( غزال البر ) وكتب الله لى التوفيق مع دار الرجوة  ، وأعتز كثيرا بهذا التعاون .

* ما الخطوة التالية التى تستعد لها فى مسارك الأدبى ؟

ـ أستعد لكتابة رواية جديدة ، والمشاركة بروايتى ( غزال البر) فى الجوائز الأدبية الكبرى مثل جائزة البوكر وجائزة كتارا وجائزة الشيخ زايد بمشيئة الله .

* ما طموحاتك المستقبلية ، وهل شرعت فى وضع خطة لتنفيذها ؟

ـ تحويل رواياتى لأعمال درامية ، سواء إذاعية أوتليفزيونية أوسينمائية ، وسوف أتواصل مع المخرجين والمنتجين فى قادم الأيام لهذا الهدف ، ويساعدنى فى هذا الأمر عملى فى مبنى الإذاعة والتليفزيون .

* كيف تتعامل مع لحظات فقدان الإلهام ؟

ـ لست من هؤلاء الذين يكتبون بالوحى والإلهام ، إنما أنا أعكف على الكتابة فى غرفة مغلقة فى أوقات محددة يوميا ، مثلما كان يفعل نجيب محفوظ على عكس توفيق الحكيم الذى كان لايكتب إلا عندما يأتيه الإلهام .. لذلك نجيب محفوظ غزير الإنتاج عكس توفيق الحكيم .

* ما العمل الأدبى الذى تعتبره نقطة تحول فى حياتك ، وكيف أثر عليك ؟

ـ رواية ( نائب عزرائيل ) ليوسف السباعى ، خيال خارق وعمل عبقرى جعلنى أعيد النظر فى أفكار كثيرة كنت أود أن أكتبها .

*كيف توازن بين ذوقك الشخصى فى الكتابة ومتطلبات القارىء ؟

ـ لاتنازلات ولاموازنات .. أنا أكتب لأستمتع ، أكتب لأستريح ، أكتب لأعبر عن ذاتى  ولادخل لى بمتطلبات السوق الأدبى والجرى وراء الجماهير فأنا لست بتاجر ولا أعمل عند أحد ، وهذه ليست نرجسية ولاغرور بل حقيقة مؤكدة لأن الكتابة مثل الصلاة إخلاص لله أولا ولنفسى ثانيا .

ـ هل تعتمد خطة محددة أثناء الكتابة أم تنطلق بشكل عفوى ؟

ـ أضع ملامح الرواية الجديدة على الورق ، وأكتبملخصا لها فى صفحة واحدة ثم أنطلق بعد ذلك بشكلعفوى فى الكتابة ، عندئذ تكتب الرواية نفسها أوهكذا تبدو لى .

* هل تعتبرالنقد جزءا مهما من تطوير الكاتب، وله مكانة خاصة فى قلبك ؟

ـ النقد الحقيقى بمثابة ضوء على الطريق للكاتب ، أما المجاملات فى بعض الصحف والمجلات الثقافية تحت مسمى النقد ، فهذا أمر بشع يضر أكثر مما ينفع ، ويعد تضليلا أوتطبيلا وليس نقدا أدبيا نزيها .

* إلى أى مدى تهتم بالبحث والتوثيق قبل كتابة أى عمل ؟

ـ الرواية ماهى إلا بحث إجتماعى  أو سياسى أو تاريخى ، هذا ضرورى جدا وخاصة فى الأعمال الأدبية التاريخية ، إن البحث ضرورة حتمية مثل الوضوء قبل الصلاة ، ومثل النية قبل الحج والعمرة .

*ماهى طقوس الكتابة التى ترافقك ؟

ـ لاشىء سوى الوحدة والهدوء والعزلة التامة عن الناس والعالم .

* ما النصيحة الذهبية التى تمنحها لأى كاتب شاب يبدأ طريقه الآن ؟

ـ أقول له .. اكتب ولاتنتظر من الكتابة شيئا سوى المعاناة فى غرفة باردة فى الشتاء ، وربما تمنحك الكتابة فى يوم من الأيام كل شىء .. المال والشهرة والمجد ربما .. وربما لا .

*ماهى أفضل دار نشر من وجهة نظرك ؟

ـ بدون ذكر أسماء ، هى الدار التى يكون التعامل فيها باحترافية وتقدير للأديب بشكل كبير ، والتعاقد راقى يضمن للمؤلف حقوقه كاملة ، ولا يقيده بشروط تعجيزية مجحفة ، هذه هى الدار المفضلة لدى مهما كان اسمها وعمرها فى سوق النشر وصناعة الإبداع.