ترامب وخطاب النصر… في قاعة المرايا !
خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم: العميد منذر الايوبي*
ليست المسألة ما أعلنه الرئيس الأميركي في خطابه الأخير، بقدر ما تكمُن في منطق صاغَهُ وفق رؤيته. حيث يتقدّم عنوان “الانتصار” كأداة سياسية، فيما الصراع قائم على معادلة مفتوحة بين التصعيد والتفاوض. فحين يُقال إن إيران مُنيَت بهزيمة ساحقة، وأن الأهداف الاستراتيجية باتت على مشارف الاكتمال، يُتوقّع أن يكون ذلك مدخلًا مبررآ لإنهاء الحرب، لا مقدّمة لتوسيعها.
ثُم أن الخطاب، في بنيته العميقة، لا يعكس نهاية بقدر ما يكشف أسلوبًا لإدارة المرحلة. فالتلويح بضربات “شديدة” خلال أسابيع، بالتوازي مع الحديث عن اقتراب الحسم، لا يُقرأ كتناقض بقدر ما يُفهم كجزء من نمطٍ قائم على فرض الوقائع، ثم استخدامها منصّة تفاوض. هنا، لا يُعلَن النصر بوصفه نتيجة، بل يُستَخدم كأداة لإنتاج شروط.
في هذا السياق، يتبدّى أن الأداء لا يستند إلى استراتيجية مكتملة المعالم بقدر ما يتكأ على تفعيل أدوات الضغط في لحظتها القصوى. وهو ما يتقاطع مع ما أشارت إليه تحليلات Reuters لجهة غياب تصور واضح لنهاية الحرب رغم إعلان التقدّم، ومع توصيف The Washington Post للخطاب باعتباره أشبه بـ“قاعة المرايا”—معناها المجازي: الخداع والإرتباك— تتجاور فيها إشارات الحسم مع غياب تعريف دقيق للنصر أو لمسار الخروج.
وعليه، تتشكّل معادلة دقيقة: تفوّق تكتيكي يُترجم ميدانيًا، يقابله فراغ في الرؤية النهائية. ومن هذا المنظور، يصبح الإعلان عن حيازة “كل الأوراق” (STRAIGHT FLUSH) تعبيرًا مجازيآ لمحاولة فرض ميزان القوى كقاعدة تفاوض…
من زاوية اخرى، لا يبدو أن الخطاب يعكس التقدير الاستخباري لجهازي “CIA و NSA” إضافة إلى المراقبة الفضائية والاختراقات السيبرانية، بقدر ما يعيد صياغةّ ضمن سردية سياسية. فالمعطيات العسكرية والأمنية التي تمتلكها واشنطن حول ايران بما تتسم به من تعقيد ولامركزية، لا تنسجم مع توصيفات من نوع “التدمير شبه الكامل” أو “انتهاء القدرة على التهديد”. ذلك أن هذا النوع من النظام “الثيوقراطي” Theocracy حيث السيادة تتبع العقيدة والقائم على—دائرة السلطة المغلقة— المرتكز على هيكلية سياسية، أمنية وعقائدية، لا يُحسم إسقاطه بضربات تقليدية، مهما بلغت دقّتها، إذ يعيد إنتاج نفسه تلقائيآ ضمن مسارات متعددة وعلى الأسس ذاتها…
إستنادآ لما سبق، يمكن القول ان ما أُدليّ به، لا ينطلق من غياب المعلومات الاستخباراتية بالكامل، بل في توظيفها انتقائيًا، حيث تُضخَّم النتائج الميدانية، في محاولة بناء سردية “النصر” تسبق تثبيتها فعليًا.
في البعد الاستراتيجي، يبرز العامل الطاقوي كأحد “مفاتيح الإستنزاف” Keys of Attrition فالتأكيد على عدم الحاجة إلى نفط الشرق الأوسط لا يلغي حقيقة أن التلويح باستهداف النفط الإيراني، أو التحكم بمساراته، هو احد أدوات الإكراه تتجاوز بعدها الاقتصادي إلى التأثير في توازنات دولية أوسع. بذلك، تتحوّل الطاقة من عنصر اقتصادي إلى رافعة جيوسياسية.
توازيًا، لا يمكن إغفال توجيه ترامب كلمته إلى الداخل الأميركي، حيث يتقاطع التصعيد الخارجي مع الحاجة إلى ضبط الإيقاع الداخلي، خصوصًا في ما يتعلق بتداعيات الحرب على الاقتصاد وأسعار الطاقة. من هنا، يأتي الجمع بين إعلان “النهاية القريبة” ومحاولة احتواء القلق الشعبي، دون الالتزام بسقف زمني واضح.
أما المفارقة الأكثر دلالة، فتتمثّل في الإبقاء على القناة السياسية مفتوحة، في إشارة رمزية لإستمرار المحادثات. فهذه العبارة، رغم بساطتها، تختصر جوهر المقاربة: الحرب ليست بديلًا عن السياسة، بل وسيلة لإعادة إنتاجها بشروط مختلفة. وعليه، فإن الاقتناع بصعوبة الحسم العسكري كاملآ، يفترض دفع الخصم إلى التفاوض من موقع مُقيّد.
ضمن هذا المشهد، لا يبدو لبنان خارج معادلة الصراع، بل في صُلبها، إذ يعيد تثبيت الجنوب اللبناني جبهة مرتبطة بمسار المواجهة. سيما ان رئيس وزراء العدو لا يزال مُطلق اليد لتحقيق أهدافه “السيطرة على منطقة جنوب الليطاني ومنع عودة حوالي 600.000 نازح إلى بلداتهم” على ما صرح وزير دفاع العدو يسرائيل كاتس…
هنا لا يعود التفاوض ولو المباشر مسارًا سياسيًا قائمًا بذاته، بل وسيلة آجلَة قد يَقبَل بها العدو إن تعدلت موازين القوة. أما داخليًا، فإن الضغط الخارجي على حزب الله لن يُفضي بالضرورة إلى تحييده، بل قد يعيد إنتاجه ضمن بيئته، في ظل خطاب مُرتكز على الصمود وتوازن الردع. وبين هذين المستويين، تبقى الدولة اللبنانية في مواجهة قضايا وجودية ومعيشية ضاغطة، محكومة بهامش ضيّق، يفرض عليها إدارة الاستقرار بما توفر، في ظل فجوة مستمرة بين الالتزام الدولي والقدرة الفعلية.
في المحصلة، لا يفتح هذا الخطاب أُفقًا لنهاية قريبة، بقدر ما يؤسس لمرحلة جديدة من إدارة الصراع. حيث الحسم في جبهات القتال لا يبدو وفق التقويم الاميركي فقط، رغم مهل زمنية مَرِنة عَلّ نصر ما يتحقق.
———————————-
*عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الامنية والاستراتيجية