بين واشنطن وطهران: من اختبار النوايا إلى إدارة الصراع المفتوح…

 

خاص – “الدنيا نيوز”

 

بقلم العميد مُنذِر الأيوبي*

في قراءة استراتيجية لمسارات الاشتباك التفاوضي وانعكاساته؛ وفي لحظة إقليمية بالغة الحساسية، لم تعد مفاوضات يوم امس في باكستان ولا فرعيتها المُزمعة في واشنطن الثلاثاء المقبل مسارا تسوية، بل تحوّلت الاولى امتدادآ مباشرآ للصراع نفسه لتتبعها الثانية توازيآ دون كثير اجتهاد..

ما جرى في إسلام آباد لم يكن محطة تفاوضية عابرة، هي لحظة كاشفة أسقطت فرضية “إدارة الخلاف عبر الحوار”، لتُعيد تثبيت معادلة أكثر صراحة (التفاوض يُستخدم لإدارة التوتر لا لإنهائه، ولشراء الوقت لا لصناعة الحلول). ضمن هذا التحوّل، يبقى لبنان ساحة متقدمة عليها تهندس الضغوطات العسكرية والسياسية، وبها تتبلور النتائج أَسلبآ كان ام إيجابآ…

بات من الثوابت ان التوتر بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد حدثًا ظرفيًا، بل أصبح بنية ثابتة تُدار ضمن قواعد اشتباك غير معلنة، حيث تتكامل الأدوات العسكرية والاقتصادية والسياسية ضمن نموذج “الصراع دون حرب”. في هذا النموذج، لا تُستخدم القوة للحسم، بل لإعادة تشكيل شروط التفاوض.

إذ ان الإدارة الاميركية لا تتحرك وفق منطق ردّ الفعل؛ بل ضمن استراتيجية رفع السقوف المرحلية، (مع مراعاة رؤية الرئيس ترامب) حيث يُصنع التوتر كأداة تفاوضية. هنا الهدف ليس الوصول إلى مواجهة شاملة، بل دفع الخصم إلى إعادة تموضع تدريجي تحت الضغط، بما يضمن تعديل سلوكه بالتوازي مع تقنين كلفة الحرب.

في المقابل، تعتمد طهران استراتيجية مغايرة تقوم على المبدأ الشهير (الصبر الإستراتيجي) بمعنى إنتظار نشِط وواعٍ لامتصاص الصدمات وتفكيكها عبر الزمن او على التوقيت المناسب . هي لا تسعى إلى كسر التوازن لعلمها إستحالته، بل إعادة تشكيله تدريجيًا عبر تراكم النفوذ وتوسيع هامش المناورة، مستندة إلى شبكة ساحات مترابطة تتجاوز حدودها الجغرافية.

عند تقاطع هاتين الاستراتيجيتين، تتشكل فجوة تفاوضية بنيوية: واشنطن تضغط لتقييد السلوك الإيراني ضمن منظومة ردع واضحة، فيما تسعى طهران إلى اتفاق حول ثوابتها النووية والبالستية، كما انتزاع اعتراف بدورها الإقليمي كقوة أمر واقع. هذه الفجوة ليست تقنية، بل تعكس تضاربًا في تعريف “النظام الإقليمي” نفسه؛ سيما ان اسرائيل حجر الرُحّى التاريخي على عنق واشنطن…

ثم ان فشل مفاوضات إسلام آباد لم يكن نتيجة تفصيل خلافي، بل تعبيرًا عن استحالة التوفيق المرحلي بين هذين المنطقين. فكل طرف دخل التفاوض هدف تعديل سلوك الآخر، لا لتقديم تنازل متبادل، ما جعل الطاولة ساحة اختبار إرادات أكثر منها منصة تفاهم.

بهذا المعنى، لم ينتهِ التفاوض، بل تغيّرت وظيفته. انتقل من كونه أداة محتملة للحل إلى كونه أداة مرافقة للصراع، تُستخدم لضبط الإيقاع ومنع الانفجار الشامل، دون القدرة على إنتاج تسوية مستقرة ولو مرحليآ؛ وهذا ما كان متوقعآ اصلآ…

هذا التحول يفرض إعادة قراءة مفهوم “التصعيد المضبوط”. فالتصعيد لم يعد أداة ضغط ظرفية، بل جزءًا بنيويًا من إدارة الصراع، حيث تُستخدم الساحات الميدانية كامتداد مباشر لطاولة التفاوض.
ضمن هذه المعادلة، تكتسب الجغرافيا الاستراتيجية، وفي مقدمتها ممرات الطاقة، دورًا حاسمًا. فالمواجهة لم تعد مقتصرة على البعد العسكري، بل أمتدت إلى الاقتصاد العالمي، ما يرفع كلفة أي انزلاق غير محسوب، ويُبقي الصراع ضمن الخطوط الحُمر محسوب لكنه هشّ.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة الساحة اللبنانية كحيّز منفصل، بل جزء من منظومة الضغط الإقليمي. فلبنان لم يعد فقط ساحة تأثر، بل أداة ضمن توازن الردع غير المباشر، تُستخدم لإيصال الرسائل وتعديل الإيقاع.
فيما المؤشرات المتعلقة بفتح قنوات تواصل شبه مباشرة بين لبنان وإسرائيل لا تعكس إنجرافآ نحو تسوية سياسية، بل استدراج اسرائيلي ضمن مماطلة، طالما المواجهة مفتوحة، هدف وضع آلية ضبط لقواعد الاشتباك، مع فرض اعتراف بالمنطقة العازلة والبقاء في النقاط الاستراتيجية. كما لا مانع من انتشار قوات دولية متعددة الجنسيات… اذ الهدف ليس بناء مسار سلام، بل الحفاظ على المكتسبات بانتظار جولة جديدة من القتال تؤمن قضمآ اضافيآ للأراضي اللبنانية.

غير أن قنوات التفاوض تحمل في داخلها بذور توتر داخلي، إذ تعيد تفعيل الانقسام السياسي حول مفهوم السيادة وحدود البراغماتية، ما يجعل الداخل اللبناني السياسي والمجتمعي أكثر هشاشة أمام أي تطور خارجي… على الصعيد الأمني، يدخل لبنان مرحلة دقيقة، حيث لا يُقاس الاستقرار بغياب التصعيد، بل بقدرة الأطراف على ضبطه. كما ان أي خلل في تفسير الإشارات أو في إدارة الرسائل قد يدفع الشارع نحو انزلاق ولو غير مقصود، ذلك في بيئة باتت مشبعة بعوامل التوتر والانقسام.

مع تعثر المسار التفاوضي، الاميركي-الإيراني فالسيناريو الأكثر ترجيحًا لا يتمثل في حرب شاملة، ولا في تسوية قريبة، استمرار حالة “اللا-حسم”، ما يكرّس نمط إستنزاف طويل الأمد. لا حرب شاملة، ولا تسوية نهائية قريبة…
من هذا المنطلق يتحول الزمن عنصرآ فاعلا في الصراع، لا مجرد إطار له. كل طرف سيسعى إلى استثماره؛ لِتُشكل القدرة على الصمود عاملًا حاسمًا بوزن القدرة على المبادرة.

في المحصلة، لم يُسقط اللقاء الاول في إسلام آباد خيار التفاوض، بل أسقط وهم التسوية السريعة. تدخل المنطقة الآن مرحلة أكثر تعقيدًا، وسيكون الصراع على حافة الانفجار رغم نوايا غير كافية لتفاديه، عليه ستُستخدم الأدوات كافة—من الميدان إلى الدبلوماسية—ضمن معادلة واحدة.

هنا تكمن المفارقة الاستراتيجية: لم يعد الانتصار يُقاس بحسم المواجهة، بل بالقدرة على البقاء داخلها دون انهيار، وبمهارة تحويل الضغط إلى نفوذ. أما لبنان، ففي قلب هذه المعادلة باقٍ… في حال المراوحة على نار الإنتظار…

————————————

*عميد متقاعد ، مختص في الشؤون الامنية والاستراتيجية