خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم : الدكتورة ميرنا داود
يولد الإنسان حراً، لكن الجغرافيا تسجنه قبل أن يفتح عينيه. يختار اسمه ودينه وحزبه، لكنه لا يختار أين يولد، وهنا تكمن المأساة الأولى والعبقرية الأخيرة.
الجغرافيا ليست خريطة صماء معلقة على الجدار، إنها قدرٌ يمشي على قدمين.
هي التي تقرر هل تموت عطشاً وأنت على نهر، وهل تموت برداً وأنت فوق بحرٍ من الغاز، وهل تموت حرباً وأنت تحلم بالسلام.
أولاً: لعنة الجغرافيا:
لعنة الجغرافيا أن تولد في مكان يملك كل شيء، فيطمع بك كل شيء.
أن تولد فوق النفط فلا ترى النور، لأن العالم لا يتركك لتنعم بنفطك، بل يشعل تحته ناراً حتى لا تضيء. أن تولد على صدر نهرٍ عظيم كالنيل والفرات، فتموت عطشاً لأن الذي يجلس في المنبع قرر أن يغلق الصنبور. أن تولد في قلب العالم، في الشام والعراق ولبنان، فتصبح قلباً ممزقاً تتنازعه كل القوى، لأن قلب العالم لا يُترك ليخفق لنفسه.
هذه هي لعنة الثروة…..
الدول الأغنى هي الأكثر دماً. ثروتها لم تكن نعمة، كانت فخاً. كما قال ابن خلدون: إذا كثرت الجباية أشرفت الدولة على النهاية.
وهناك لعنة الموقع الاستراتيجي. من يقع على مفترق طرق العالم، يصبح مفترقاً لجيوش العالم. لا يُسأل ماذا يريد شعبه، بل يُسأل ماذا يريد العالم من موقعه. موقعه أهم من شعبه، وخريطته أكبر من حريته.
وهناك لعنة الجار القوي….
أن تكون شجرة صغيرة بجانب غابة من النار. أن يكون تاريخك كله ليس بناءً، بل مقاومةً للابتلاع.
وهناك لعنة الحدود المرسومة بالمسطرة. لم ترسمها أقدامنا في ترابنا، رسمتها أصابع المستعمر على طاولة في سايكس بيكو. فصرنا نعيش في أوطانٍ لا تشبهنا، ونشبه أوطاناً لا نعيش فيها. نحمل جوازات سفر لدول لا تحملنا.
أخطر ما في اللعنة أنها تجعلك تدفع ثمن مكانٍ لم تختره، وتحارب حرباً لم تشعلها، وتُعاقب على ثروةٍ لم تنعم بها.
ثانياً: عبقرية الجغرافيا:
لكن للجغرافيا وجهٌ آخر، وجه العبقرية. فكما تلعن، تُلهم. وكما تسجن، تفتح.
عبقرية الجغرافيا أن ما جعلك ضعيفاً قد يجعلك قوياً إذا انقلبت المعادلة.
فلننظر إلى سنغافورة:جزيرة صغيرة بلا ماءٍ ولا نفط ولا تراب يصلح للزراعة، طردتها ماليزيا لأنها عبء. حولت لعنتها إلى عبقرية. حولت موقعها الصغير إلى ميناءٍ يحكم العالم. لم تملك ثروة، فصنعت عقل الإنسان ثروتها.
واليابان:أرض زلازل وبراكين، بلا نفط ولا حديد، خرجت من هيروشيما رماداً. حولت لعنتها إلى عبقرية، فصارت إمبراطورية عقل.
انظروا إلى سويسرا:جبال صماء لا تصلح لشيء، حولتها إلى خزنة العالم، لأنها فهمت أن الحياد جغرافيا أيضاً.
عبقرية الجغرافيا أن تتحول من ممرٍ للجيوش إلى جسرٍ للعالم. من ساحة حرب إلى ساحة سلام. من عقدة صراع إلى عقدة تجارة.
بين اللعنة والعبقرية:
الفرق بين اللعنة والعبقرية ليس في التراب، بل في العقل الذي يمشي فوق التراب.
الجغرافيا تعطيك المسرح، لكنها لا تكتب لك المسرحية. تعطيك الورق، لكنك أنت من يكتب القصة. هناك من كتب على ورقة الصحراء ملحمة دبي، وهناك من كتب على ورقة النهر مأساة الجفاف.
الدول التي بقيت تلعن جغرافيتها بقيت في اللعنة. والدول التي فهمت جغرافيتها كسرت اللعنة.
نحن في هذا الشرق لسنا ملعونين إلى الأبد. نحن فقط لم نتعلم بعد كيف نحول قلب العالم الممزق إلى قلب العالم النابض. لم نتعلم أن موقعنا الذي جعلنا ساحة حرب، يمكن أن يجعلنا سوق العالم، ومطار العالم، وفكرة العالم.
كسر اللعنة يبدأ حين نكف عن سؤال: ماذا فعلت بنا الجغرافيا؟ ونبدأ بسؤال: ماذا سنفعل نحن بجغرافيتنا؟
حينها فقط تتحول اللعنة إلى عبقرية.