بوتين في «الكوريل»: إعادة ترسيم الخطوط على خرائط القوة…

 

خاص – “الدنيا نيوز”

 

  • بقلم العميد منذر الأيوبي*

لم تكن خطوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في 13 الجاري، بالهبوط على مدرج القاعدة العسكرية في جزيرة «إيتوروب» ضمن أرخبيل الكوريل، مجرد جولة تفقدية على مقاطعة نائية، ولا تفصيلًا تنمويًا عابرًا ضمن أجندة موسكو الداخلية. بل أتت في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، لتعيد وضع الجُزُر في قلب الحسابات الاستراتيجية لشرق آسيا.

يختصر الأرخبيل بتضاريسه البركانية وموقعه الجغرافي، عقودًا من تاريخ عسكري لم تُطوَ صفحاته، وصراعًا سياديًا لم يبلغ محطة التسوية، ليغدو اليوم منصة اشتباك جيوسياسي تتجاوز حدود طوكيو وموسكو، لتلامس موازين الردع بين واشنطن وبكين. كما تُشكل الجُزُر سلسلة من المداخل البحرية التي تصل بحر أوخوتسك بالمحيط الهادئ. من هنا تنبع قيمتها العسكرية، باعتبارها جزءًا من الحزام الجغرافي الحائلِ الذي يحمي المجال البحري الروسي في أقصى الشرق، كما توفر عمقًا استراتيجيًا لحركة أسطول المحيط الهادئ احد التشكيلات الاستراتيجية الكبرى للبحرية الروسية.

في السياق، تزداد أبعاد هذه الزيارة تعقيدًا بالنظر إلى المسار الانحداري للعلاقات الروسية–اليابانية عقب اندلاع الأزمة الأوكرانية؛ إذ أدى انضمام طوكيو إلى العقوبات الغربية إلى تجميد مسارات الحوار المتقطعة، وفي مقدمتها الجهود المرتبطة بمعاهدة السلام المؤجلة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

بناءً عليه، يمكن قراءة الحدث نوعًا من الرد الاستراتيجي، وتأكيدآ أن اصطفاف طوكيو المتزايد مع واشنطن لن يدفع موسكو لتقديم تنازلات إقليمية، بل أسهم في تعزيز توجهها نحو تثبيت وجودها السياسي والعسكري. يأتي ذلك تزامنآ مع تحول اليابان تدريجيًا من عقيدة “الدفاع البحت” إلى بناء قدرات «الضربة المضادة»، ضمن استراتيجية دفاعية جديدة أُقرت عام 2022.

كما ضاعف من دلالات الخطوة حصولها قبل أيام قليلة من إحياء اليابان ذكرى انتهاء الحرب العالمية الثانية. فالسيطرة السوفياتية على الجزر عام 1945 تُعتبر في الرواية الروسية نتيجة من نتائج الحرب وتسويات ما بعدها، بينما تراها اليابان اقتطاعًا غير مشروع لأراضٍ تطالب بها وتطلق عليها تسمية «الأقاليم الشمالية»، معتبرةً أن الملف السيادي لم يُغلق بعد . وهكذا تعيد موسكو فرض نتائج ما بعد الحرب كمرجعية حية في إدارة صراعات القرن الحادي والعشرين،.

على الصعيد الإقليمي، لا يمكن فصل هذا الملف عن التقارب الروسي–الصيني المتنامي في مواجهة الضغوط الأمنية الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. فبكين تراقب بعين الحذر التحركات اليابانية فيما تتقاطع الرؤيتان الروسية والصينية على رفض محاولات فرض تغييرات في موازين القوة الإقليمية. كما يوفر هذا التقاطع إطارًا استراتيجيًا يجعل الأرخبيل جزءًا من خطوط التماس في مرحلة تتجه فيها بنية النظام الدولي نحو تعددية أكبر في مراكز القوة.

ولعل ما ورد في إحدى وثائق الخارجية الأميركية عن مناقشات هنري كيسنجر مع السفير الياباني عام 1971 يكتسب اليوم دلالة لافتة؛ إذ تكشف الوثيقة أن قضية الكوريل كانت تُقرأ آنذاك ضمن لعبة توازن القوى بين موسكو وطوكيو وبكين وواشنطن، بما يؤكد أن هذه الجزر لم تكن يومًا مجرد نزاع حدودي، بل عقدة في حسابات القوة في شرق آسيا.

في العمق الأشمل، تتجاوز الرسالة (الزيارة) حدود اليابان لتبلغ الإدارة الأميركية؛ إذ ان أي تحرك ياباني يقارب المدى الحيوي الروسي يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالمظلة العسكرية التي توفرها واشنطن. بالتالي، فإن تثبيت الحضور السياسي والعسكري في الكوريل إعادة تأكيد لموقع استراتيجي تعتبره موسكو جزءًا من أمنها القومي.

في التدقيق الاستراتيجي، يتضح أن ملف الكوريل انتقل عمليًا من مرحلة «إدارة النزاع الدبلوماسي» إلى مرحلة أكثر وضوحًا «تثبيت الأمر الواقع» إذ تشير هذه الخطوة أن موسكو لا تتعامل حاليًا مع سيطرتها على هذه الجزر باعتبارها ورقة تفاوضية سهلة التنازل… وأي تسوية مستقبلية لن تكون منفصلة عن حقيقة الوجود الروسي المتجذر فيها.

وإلى جانب ارتباطها الاستراتيجي المتزايد بالولايات المتحدة، تضع هذه الخطوة اليابان أمام بيئة أمنية أكثر تعقيدًا: روسيا في الشمال، الصين في الغرب، وكوريا الشمالية في الجوار الإقليمي. هذا الواقع يدخل المنطقة في حلقة أمنية متبادلة ومتوترة، فخطوات موسكو لتعزيز الردع في مواجهة التمدد الأميركي والياباني، تقابلها إجراءات يابانية لتطوير قدراتها الدفاعية والهجومية المضادة، ما يمنح موسكو بدورها مبررات إضافية للتشدد.

يبقى السؤال: هل نحن أمام مجرد مناورة سياسية، أم على أعتاب مرحلة يعاد فيها رسم قواعد الاشتباك الدولي وفي الشرق الآسيوي تحديدآ ؟
تأتي زيارة «إيتوروب» كتذكير صريح أن (الجغرافيا لا تموت)، وأن حدود القوة التي رسمتها الحرب قبل ثمانية عقود لا تزال حاضرة في حسابات الدول الكبرى. وقد لا تكون جزر الكوريل الشرارة الأولى لصراع شامل في آسيا، لكنها بالتأكيد مؤشر مهم لإتجاه الريح في مرحلة إعادة تشكيل النظام الدولي، حيث لم تعد الخرائط مجرد خطوط تفصل الدول، بل أصبحت مرة أخرى أدوات لإعادة توزيع القوة والنفوذ والردع.

*عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الأمنية ومكافحة الإرهاب