المواطنة بين صنم الحداثة ومرآة ما بعدها

 

خاص – “الدنيا نيوز”

 

بقلم الدكتورة ميرنا داود

 

 المواطن كاختراع حديث

لم تكن المواطنة معطىً طبيعياً، بل كانت اختراع الحداثة بامتياز. فقبل الحداثة، كان الإنسان رعيةً، ينتمي إلى جماعة مغلقة أو بنية تقليدية، يولد ويموت تحت سقف الولاء. جاءت الحداثة فانتزعته من هذه الانتماءات الضيقة لتصنع منه “مواطناً”.

فما الذي فعلته الحداثة بهذا المفهوم؟ وكيف جاءت ما بعد الحداثة لتفككه؟

أولاً: المواطنة في فلك الحداثة – حلم الكونية والعقل

قامت المواطنة الحديثة على ثلاثة أعمدة كبرى:

١-العقد الاجتماعي:مع فلاسفة العقد، لم يعد الإنسان يخضع للحاكم لأنه مقدس، بل لأنه تعاقد معه. المواطنة أصبحت عقداً عقلانياً: أتنازل عن جزء من حريتي الطبيعية مقابل أن تضمن لي الدولة حريتي المدنية وحقوقي.

٢-الدولة الحديثة والمساواة الشكلية:الحداثة خلقت الدولة المركزية الحديثة. هذه الدولة لا تعترف بالانتماءات الضيقة للإنسان، بل تعترف فقط بـ “مواطن” مجرد، متساوٍ أمام القانون. المواطنة هنا تجريد، إنها نزع لكل الخصوصيات لصالح هوية واحدة كبرى هي الهوية العامة المشتركة.

٣-المجال العام والعقلانية:المواطن الحديث هو كائن عقلاني يشارك في المجال العام بالنقاش والحجاج، ويؤمن بأن الدولة محايدة وتقوده نحو التقدم.

هكذا كانت المواطنة وعداً جميلاً: وعد بالمساواة والحرية والانتماء الكوني.

ثانياً: التصدع – نقد ما بعد الحداثة للمواطنة

جاءت ما بعد الحداثة في النصف الثاني من القرن العشرين كسكين تشريح لهذا الوعد، وكشفت أنه وعد متناقض.

١-من المساواة الشكلية إلى الإقصاء البنيوي:
قالت فلسفة ما بعد الحداثة: من هو هذا “المواطن المجرد” الذي تتحدث عنه الحداثة؟ إنه في الحقيقة ليس مجرداً، بل هو نموذج مصطنع لفئة مهيمنة. الحداثة حين ادعت الحياد، أقصت كل من لا يشبه هذا النموذج: النساء، والمهمشين، والأقليات الاجتماعية. المساواة كانت قناعاً لهيمنة.

٢-من الهوية الواحدة إلى الهويات المتشظية:
المواطنة الحديثة طلبت من الفرد أن يذوب في هوية واحدة جامعة. ما بعد الحداثة قالت: الفرد لا يملك هوية واحدة، بل يحمل هويات متعددة ومتقاطعة. أنا أحمل في ذاتي انتماءات لغوية واجتماعية وثقافية في آن واحد. لماذا تطلب مني الدولة أن أختار؟ فظهرت مطالب الاعتراف بدلاً من مطالب المساواة فقط.

٣-من الدولة إلى العولمة والسوق:
العولمة أضعفت فكرة الدولة كحامية وحيدة للمواطن. اليوم، حقوق الفرد لا تحددها الدولة فقط، بل يحددها السوق العالمي، والشركات متعددة الجنسيات، والمنظمات العابرة للحدود. ظهر ما يسميه البعض “المواطنة المرنة” أو “ما فوق وطنية”. هل أنا مواطن في دولتي فقط أم مواطن كوني بلا حدود؟

 إلى أين؟ مواطنة ما بعد المواطنة

إننا اليوم نقف في منطقة رمادية ومقلقة.

الحداثة منحتنا الإطار القانوني للمواطنة لكنها كانت صماء تجاه اختلافنا. ما بعد الحداثة أنصتت لاختلافنا وصراخ هوياتنا، لكنها فككت الإطار المشترك حتى كدنا لا نجد ما يجمعنا.

فإشكالية اليوم ليست كيف نختار بينهما، بل كيف نبدع صيغة ثالثة: مواطنة نقدية، تحافظ على مكتسبات الحداثة من قانون ومؤسسات ومساواة، لكنها تفتحها على درس ما بعد الحداثة: الحق في الاختلاف، والاعتراف بالآخر، وعدم اختزال الإنسان في ورقة هوية واحدة.

فالمواطن في المستقبل لن يكون ذلك الكائن المطيع الذي ذاب في الدولة، ولا ذلك الكائن النرجسي الذي لا يعترف إلا بجماعته الصغيرة، بل هو ذلك الذي يستطيع أن يقول: “أنا مختلف عنك، ومع ذلك، القانون الذي يجمعنا هو بيتنا المشترك”.