خاص – “الدنيا نيوز”

هي ليست نكتة…..إنها نظام حكم.….
الكاكيستوقراطية Kakistocracy من اليونانية:
أي الأسوأ، الأكثر رداءة وانحطاطا.
إذا كانت الديمقراطية حكم الشعب، والأرستقراطية حكم الأفضل، فالكاكيستوقراطية هي نقيضهما المظلم: حكم من لا يجب أن يحكم أبداً.
تاريخ الكلمة والفكرة:
المصطلح ليس جديداً ، أول من نحته هو الروائي الإنجليزي توماس لوف بيكوك عام ١٨٢٩ ساخراً من حكومات عصره. ثم عاد بقوة على لسان السياسي الأمريكي جيمس راسل لويل في 1876 م وهو يصف ما يراه في واشنطن، ثم دخل قاموس أكسفورد رسمياً.
لكن الفكرة أقدم من الكلمة.
أفلاطون حذر منها قبل ٢٤٠٠ سنة في جمهوريته،قال: إذا تُركت المدينة بلا فلاسفة يحكمونها، سيحكمها حتماً تجار المديح وباعة الوهم.
وقال ابن خلدون بعبقريته: “إذا فسدت النخبة، فسدت الأمة، وإذا صعد السفهاء إلى المنابر، نزل الحكماء إلى القبور.”
الكاكيستوقراطية ليست حدثاً، هي دورة تاريخية، أتي دائماً بعد تعب الحضارات.

ولكن من أوجدها ولماذا هي مطلوبة؟
لا أحد يستيقظ صباحاً ويقرر إنشاء كاكيستوقراطية.
هي لا تُصنع بمرسوم، بل تُستدعى.
والذي يستدعيها هو الخوف.
يصنعها ثلاثي مقدس:
١. صاحب السلطة الخائف:الحاكم الذكي يخاف من الذكي مثله، لأنه منافس محتمل. أما الغبي فمأمون.
الولاء عنده أهم من الكفاءة.
فيحيط نفسه بدائرة من الضعفاء والجهلة، ليبدو هو وحده العملاق بين الأقزام. هذه نظرية “العرش المحاط بالضجيج”.
٢. الفساد الذي يحتاج حارساً:
الفساد لا يحتاج وزيراً نزيهاً، بل يحتاج شريكاً. لا يمكن لمنظومة تنهب المال العام أن تضع على رأسها رجلاً شريفاً يقرأ الأرقام. هي تحتاج الأحمق الذي يوقع دون أن يقرأ، والفاسد الذي يسكت لأنه غارق مثلهم. الغباء هنا ليس عيباً، بل هو شرط للتوظيف، هو صمام الأمان للمنظومة.
٣. الجمهور المتعب:وهذه هي الحقيقة المرة. الكاكيستوقراطية مطلوبة جماهيرياً أحياناً. الناس المتعبة من التعقيد، من لغة الخبراء والأرقام، تشتاق لمن يشبهها، لمن يتكلم بلغة بسيطة حتى لو كانت خاطئة، لمن يصرخ بدلاً من أن يشرح. فتُصفق للأسوأ لأنه يشبهها، وتكره الأفضل لأنه يُشعرها بالنقص.
علاقتها بالفساد.. ليست علاقة، هي زواج!!!
الفساد لا يعيش في الديمقراطية الحقيقية ولا في الأرستقراطية الحقيقية. يموت فيهما بالمحاسبة أو بالشرف.بيئته الوحيدة هي الكاكيستوقراطية، لأنها تقوم على معادلة بسيطة: أنا أمنحك منصباً أكبر من حجمك، وأنت تمنحني ولاءً أكبر من ضميرك.
المنصب هنا ليس تكليفاً، بل رشوة. والولاء ليس للوطن، بل للشخص الذي اشتراك.

لهذا ترى في ظلها الفساد ليس انحرافاً، بل هو النظام نفسه. الغبي لا يُحاسب لأنه لا يعرف أنه أخطأ، والفاسد لا يُحاسب لأن الجميع يمسك على الجميع ملفاً.
لماذا انتصر الغباء في سياسة اليوم؟
لم ينتصر الغباء لأنه أقوى، بل لأننا غيرنا قواعد اللعبة.
أولاً: موت الوسيط:
سابقاً كان بين الحاكم والشعب طبقة وسيطة: صحافة جادة، أحزاب حقيقية، جامعات، مفكرون. كانوا كالمصفاة التي تمنع الحصى من الوصول. اليوم انكسرت المصفاة.
تويتر وفيسبوك أوصلا الأسوأ مباشرة إلى الملايين دون فلتر.
ثانياً: سوق الضجيج :
السياسة اليوم ليست من يحكم أفضل، بل من يصرخ أعلى. الخوارزميات لا تكافئ الحكيم، تكافئ المهرج. الغباء مثير، صادم، مضحك، سهل النشر. الحكمة مملة، معقدة، تحتاج تركيزاً. في سوق الانتباه، الغباء عملة رابحة.
ثالثاً: عبادة الأصالة المزيفة:
صرنا نقدس “اللي على طبيعته” حتى لو كانت طبيعته جهلاً. صار السياسي المتعلم يُتهم بأنه متعالٍ ومتآمر، والجاهل يُحتفى به لأنه “واحد مننا”. حولنا الجهل إلى فضيلة، والكفاءة إلى تهمة.
الكاكيستوقراطية في النهاية ليست لعنة سماوية…هي اختيار..!!
هي اللحظة التي يقرر فيها مجتمع ما أن الراحة النفسية أهم من الحقيقة، وأن الولاء أهم من الكفاءة، وأن الصراخ أهم من الفكر.
وحينها.. لا تسأل لماذا يحكمنا الأسوأ، بل اسأل: لماذا طالبنا بهم؟