خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم: الدكتورة ميرنا داود
ليست السياسة كذباً بالضرورة، لكن المفارقة المأساوية لعصرنا أن الكذب قد تسلل من هامشها ليستقر في جوهرها. ولم يعد الغباء مجرد قصور ذهني فردي، بل ارتقى عبثاً ليصبح عقيدة حكم وفلسفة سلطة.
ما نرصده اليوم في أنظمة الشرق والغرب على حد سواء، ليس انحرافاً عابراً أو خطأً تكتيكياً، بل هو ثقافة متجذرة مكتملة الأركان، لها منظروها وروادها ومدارسها. ثقافة تقوم على معادلة شيطانية واحدة: أن تكذب بذكاء لتسيطر، وأن تجهّل بذكاء أكبر لتدوم.
أولاً: في فلسفة الكذب – لماذا يكذب الأمير؟
السياسي لا يكذب لجهله بالحقيقة، بل لفرط علمه بها. هو يعرف أن الحقيقة عارية وقبيحة أحياناً، وأنها لا تصلح لخطاب جماهيري ولا تضمن مقعداً في البرلمان.
لقد شرحها ميكافيللي قبل خمسة قرون: الغاية تبرر الوسيلة. فالكذب هنا ليس وسيلة عابرة، بل هو جواز السفر إلى السلطة وتأشيرة البقاء فيها. الحقيقة مكلفة، تستدعي إصلاحاً وتضحية، بينما الكذب مربح، يبيع الوهم بلا ثمن.
وعندما تتهاوى السياسات وتسقط الأقنعة، يصبح الكذب طوق النجاة الأخلاقي للفاشل. يُعاد تدوير الفشل ليُعلق على مشجب المؤامرة الكونية، أو على جحود الشعب، أو على تقلبات الدهر. وأخيراً، يكذب السياسي لأنه اكتشف الحقيقة المرة التي تحدثت عنها حنة أرندت: أن الجماهير في لحظات الخوف لا تبحث عمن يقول لها الحقيقة، بل عمن يطمئنها بكذبة جميلة.
ثانياً: تشريح الكذب – الوجوه الأربعة للخديعة:
للكذب السياسي وجه رباعي الأبعاد:
1. التضليل المنهجي:أن تمنح الناس نصف الحقيقة، لتقتل فيهم الرغبة في البحث عن نصفها الآخر.
2. الإنكار الوقح:أن تنكر ما رآه الناس بأعينهم وسمعوه بآذانهم أمام الكاميرات، مراهناً على فقدان الذاكرة الجمعي.
3. التعتيم البيروقراطي:وهي المرحلة الأرقى من الكذب، حيث لا تحتاج أن تكذب، بل يكفي أن تدفن الحقيقة في أدراج التقارير السرية.
4. الاغتيال الرمزي:فإن فشلت في إخفاء الحقيقة، اغتل صاحبها. شوّه حامل الرسالة، تسقط الرسالة.
ثالثاً: الفاتورة – الثمن الذي تدفعه الأوطان:
الكذب السياسي دين بفوائد فاحشة، والشعوب هي من تسدده.
أولى فوائده: موت الثقة. فالشعب الذي اعتاد كذب حاكمه، لن يصدقه حتى لو وقف يوماً ليقول الصدق. وثانيها: العزلة الدولية، فالعالم قد يجامل الكاذب لكنه لا يحترمه. وثالثها: الانهيار الاقتصادي الحتمي، لأن اقتصاداً مبنياً على أرقام مزيفة هو قصر من رمال. ورابعها وهو الأخطر: الانتحار السياسي، فالدولة التي تكذب على أبنائها إنما تحفر قبرها بيدها.
رابعاً: الوجه الآخر – حين يصبح الغباء فضيلة
إذا كان الكذب هو أن تعرف الحقيقة وتخفيها عن الآخرين، فإن الغباء السياسي هو أن تعرف الحقيقة وتقرر أن تخفيها عن نفسك.
إنها الجهالة المقدسة التي تتجلى في أربعة طقوس: الإغفال المتعمد حتى تنفجر الأزمة، والإنكار العنيد للواقع حتى لو كان يصرخ في الشوارع، والتعتيم المقدس على المعلومات بذريعة الأمن القومي، وصناعة الجهل، لأن الحاكم المستبد اكتشف أن المواطن الجاهل قطيع مطيع، والمواطن الواعي خطر دائم.
ونتيجتها كارثية: قرارات مرتجلة بلا عقل، وفقر وبطالة لأن الخطط وهمية، وخدمات عامة متهالكة، وفقدان بطيء للهوية الوطنية، فالشعب بلا وعي هو شعب بلا ذاكرة، وشعب بلا ذاكرة قابل للزوال.
كيف نكسر الحلقة؟
لا يُهزم الظلام بظلام آخر، بل بالنور……
1. الشفافية كحق: أن تصبح المعلومة حقاً دستورياً لا هبة.
2. المساءلة كقدر: ألا يفلت كاذب من الحساب مهما علا كرسيه.
3. الوعي كلقاح: فالتعليم النقدي هو المضاد الحيوي الوحيد لفيروس القطيع.
4. الإعلام كسلطة مضادة: إعلام لا يكون بوقاً للسلطة، بل كلب حراسة عليها.
إن الصراع اليوم لم يعد بين يمين ويسار، ولا بين شرق وغرب. الصراع الحقيقي هو بين ثقافتين: ثقافة ترى في المواطن عقلاً يجب احترامه، وثقافة تراه قطيعاً يجب ترويضه.
وبين هاتين الثقافتين، يُكتب مصير الأوطان، أو يُمحى إلى الأبد.
——————————-
*رئيسة البحث العلمي في “الدنيا نيوز”