خاص – “أخبار الدنيا”

بقلم : الدكتورة ميرنا داود*
في صيف عام ١٩٤٤، كانت فرنسا أشبه بجسد ممزق بين سكينين: سكين الاحتلال النازي الذي أنهكها أربع سنوات، وسكين الخزي الذي غرزته حكومة فيشي في خاصرة كبريائها. باريس تنتظر التحرير، وفرنسا تنتظر دولة. في ذلك الفراغ المهول، خرج من المنفى رجل نحيل، صارم القامة، يحمل في صوته جمهورية كاملة. اسمه شارل ديغول. ومهمته: أن ينتشل وطناً من العدم، ويكتب على أنقاضه: “الجمهورية لم تمت”.
أولاً: المنفى الذي صار وطناً
لم تولد الحكومة المؤقتة في قصر الإليزيه، بل وُلدت في الأثير. في الثامن عشر من يونيو ١٩٤٠، حين كانت أجراس الهزيمة تدق في كل بيت فرنسي، وقف ديغول أمام ميكروفون هيئة الإذاعة البريطانية وقال كلماته التي صارت قدراً: “فرنسا خسرت معركة، لكنها لم تخسر الحرب”. يومها لم يكن جنرالاً مشهوراً، بل كان صوتاً وحيداً يرفض الموت. من ذلك الصوت نبتت “فرنسا الحرة”، ثم “اللجنة الفرنسية للتحرير الوطني” في الجزائر، حتى أعلنت نفسها في الثالث من يونيو ١٩٤٤ “الحكومة المؤقتة للجمهورية الفرنسية”. كانت حكومة بلا أرض، لكنها تملك ما هو أثمن: يقيناً بأن فيشي اغتصبت فرنسا، وأن الجمهورية لا تسقط بتوقيع هدنة.
وحين دخل ديغول باريس في الخامس والعشرين من أغسطس، لم يصعد ليُتوَّج ملكاً. مشى في الشانزليزيه كمواطن عاد إلى بيته، ورفض أن يعلن الجمهورية من جديد لأنها، في عرفه، لم تغب قط. قالها ومضى: “فيشي كانت باطلة من البداية”. بهذه الجملة محا أربعة أعوام من تاريخ فرنسا الرسمي، وأعاد عقارب الشرعية إلى عام ١٩٤٠.
ثانياً: الجراحة الكبرى – تطهير فرنسا من نفسها
كانت أولى مهام ديغول أن يغسل وجه فرنسا من عار التعاون. أصدر في التاسع من أغسطس 1944 مرسوماً يعلن أن كل تشريعات فيشي “باطلة وكأنها لم تكن”. ثم بدأت محاكم التطهير. سيق المارشال بيتان، أسد فردان الذي صار في شيخوخته رمز الاستسلام، إلى قاعة المحكمة. دافع عنه محاموه بأنه درعٌ حمى الفرنسيين من سيف النازية، لكن القضاة رأوا في الدرع خنجراً. حُكم عليه بالموت، ثم أشفق ديغول على تاريخه العسكري وخفف الحكم إلى السجن المؤبد. أما بيير لافال، مهندس التعاون، فلم تشفع له الأعذار، وانتهى أمام فرقة الإعدام.
لم يكن التطهير انتقاماً، بل ولادة. ففي خضم المحاكمات، كانت الحكومة المؤقتة تبني. منحت النساء حق التصويت لأول مرة، وأممت المصارف والطاقة وشركة رينو، وأسست الضمان الاجتماعي الذي جعل المرض والشيخوخة هماً للدولة لا للفرد. لقد استغل ديغول لحظة الفراغ ليمرر ما عجزت عنه الجمهورية الثالثة في ستين عاماً. كانت ثورة هادئة، بلا مقاصل، لكنها غيّرت نسيج فرنسا إلى الأبد.
ثالثاً: بيتان وديغول – تراجيديا رجلين ووطن واحد
إن حكاية ١٩٤٠-١٩٤٦ هي حكاية رجلين شابا في خدمة فرنسا ثم افترقا عند مفترق الشرف. بيتان رأى في الهزيمة قدراً، وقال: “أهب نفسي لفرنسا لأخفف آلامها”. فقبل الهدنة، وقبل أن يحكم باسم العدو، ظناً منه أنه ينقذ الجسد ولو ببيع الروح. ديغول رأى في الهزيمة معركة، وقال: “إن فرنسا لا يمكن أن تكون فرنسا دون عظمة”. فاختار المنفى والحرب، وفضّل أن يعرض الجسد للخطر على أن يبيع الروح.
بيتان استمد شرعيته من الماضي: من فردان، من نياشينه، من برلمان خائف صوّت له في يوليو ١٩٤٠. ديغول انتزع شرعيته من المستقبل: من رفضه، من استمرارية جمهورية لم يرها تموت. بيتان أسس “الدولة الفرنسية” بشعار “عمل، عائلة، وطن” وحكم بمراسيم فردية. ديغول أعاد “الجمهورية” ووعد بانتخابات ودستور. بيتان صافح هتلر في مونتوار، وديغول صافح تشرشل وروزفلت، ثم أجبرهما على معاملة فرنسا كمنتصرة.
التاريخ وقف مع ديغول، لكنه لم يبرئ بيتان تماماً. ظل السؤال معلقاً كجرح: هل كان خائناً أم رجل دولة شيخاً أخطأ التقدير؟ ديغول نفسه أجاب حين خفف الحكم: “كانت حياته عادية في البداية، مجيدة بعدها، ثم مخزية، لكنها لم تكن تافهة قط”.
رابعاً: الانسحاب ودرس السلطة
في العشرين من يناير ١٩٤٦، فعل ديغول ما لم يفعله زعيم منتصر: استقال. كان يريد دستوراً يصنع رئيساً قوياً يحمي فرنسا من فوضى الأحزاب التي قتلت الجمهورية الثالثة. لكن الأحزاب أرادت برلماناً قوياً. حين رأى أنهم سيعيدون دولة الثرثرة، جمع أوراقه ورحل إلى كولومبي. قال: “النظام الحزبي عاد”. وترك لهم الجمهورية الرابعة التي ستنهار بعد اثني عشر عاماً في وحل الجزائر، ليعود هو من جديد ويؤسس الخامسة.
بين سجن وعرش
انتهى بيتان في زنزانة بجزيرة يو، يحدق في البحر الذي لم يعد يقوده. وانتهى ديغول في قصر الإليزيه، يصوغ دستوراً سيحكم فرنسا حتى اليوم. كلاهما حكم في العاصفة، لكن الأول أطفأ المنارة لينجو المركب، والثاني أشعلها حتى لو غرق المركب.
الحكومة المؤقتة عاشت ستة وعشرين شهراً فقط، لكنها كانت الجسر الذي عبرت عليه فرنسا من العار إلى العظمة. طوت صفحة فيشي إلى الأبد، وأسست دولة الرفاه، وأعادت لفرنسا مقعدها بين الكبار. فعلت ذلك بلا موارد، بلا أرض، إلا أرض الإرادة.
المفارقة الكبرى أن ديغول حكم في ١٩٤٤ بمراسيم وسلطات استثنائية تشبه تلك التي استخدمها بيتان في ١٩٤٠. الأداة واحدة، لكن الوجهة مختلفة. بيتان سار بها نحو التعاون، وديغول نحو التحرير. وفي السياسة، كما في البحر، لا تُقاس عظمة القبطان بحجم سفينته، بل بالنجم الذي يهتدي به.
لقد علّمتنا تلك السنوات أن الدول لا تموت بالاحتلال، بل تموت حين تكف عن قول “لا”. وديغول قالها، فعاشت فرنسا.