الحدّ الأدنى من الاستِقامَة آخر ما تَبقّى لهذا البلد..!
خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم العميد منذر الأيوبي*
لم يعد السؤال كيف يمكن للإنسان أن يكون أفضل، بل إن كان لا يزال قادرًا على رفض التكيف مع ما يُفترض ألّا يُحتمل. فالانهيارات الكبرى لا تُقاس فقط بما تُسقِطه من أنظمة، بل بما تُنتجه من قابلية جماعية للتأقلم. ما كان صادمًا بالأمس يصبح مألوفًا اليوم، ثم ضروريًا، ثم غير قابل للنقاش.. هكذا لا ينهار الواقع دفعة واحدة، بل يُعاد تعريفه أخلاقيًا خطوة إثر أخرى..
في هذا المسار، لا تختفي القيّم، بل يُفرَّغ معناها العام. تنسحب الأخلاق من المجال المشترك، لتُختزل في ضمير الأفراد. تتلاشى كقاعدة ناظمة لتتحول عبئًا شخصيًا على رافض التأقلم. الاستقامة لا تحمي، ولا تُكافَأ، وغالبًا ما تُفسَّر كعجز عن “فهم اللعبة”. هكذا يصبح التطبع مع الخلل قاعدة، والامتناع عنه شذوذًا..
في تفاصيل الحياة اللبنانية، يظهر هذا التَكيُف بوضوح وعلانية.. موظف يبرّر فسادآ لأنه “سائد”، تاجر يخلّ بالميزان لِسوق لا يرحم، سائق يتجاوز الإشارة والكل يفعل. بالمواجهة، يقف عدد أقلّ وضوحًا وأعظم كبرياءً: موظف لا يمدّ يده، تاجر يلتزم تسعيرة شرعية ومنتجات ذات صلاحية، سائق يدفع المعاينة الميكانيكية لا خوفًا من غرامة، بل رفض ان يكون جزءًا من فوضى..
هذه السلوكيات المقاومة لا تغيّر نظامآ، لكنها تفضح منطِقه، وهي غالبًا ما تُواجَه بإستخفاف، فرفض الإنحراف يبدو في مجتمع مُطبَّع عكس التيار وخارج السياق. اما غالبية الطبقة العليا والأوليغارش فهم الطامة الكبرى، وسقط المتاع.. وكفى مثالآ كثرة إرتكابات..
المفارقة القاسية أن مجتمعآ يُشرعن تطبيع فساد على إعتيادٍ مزمن دَرَج، يعتمد في بقائه على من يرفضه. ليكون مانع الانهيار الكامل ليس قوانينآ وأنظِمة مؤسسات رقابية، بل هذا العدد غير المرئي من الأفراد مسؤولين ام عامة الذين يضعون لأنفسهم حدًا لا يتجاوزونه، رغم سهولة التجاوز ونفعِ المردود. هؤلاء لا يعطّلون الانحدار رغم الإرهاق الإجتماعي الضاغط، لكنهم يمنعون تحوّله قاعدة مطلقة. هم عاجزين عن بناء نظام يرتجى لكنهم عائق أخلاقي أمام التفكك الشامل..!
هنا نسترجع “الرواقية” Stoicism لا بوصفها فلسفة سكينة، بل فلسفة مقاومة داخلية:
“ما لا نستطيع السيطرة عليه لا ينبغي أن يُفسد ما نستطيع السيطرة عليه” .. وحين يُفرض التأقلم مع الشواذ شرطآ للعيش، يصبح الامتناع عنه قرارآ وجوديآ..
ثم ان الشريحة المجتمعية الصالحة في زمن الفساد والإرتهان، ليست ملجأً ويستحيل ان تكون، بل آخر مساحة غير محتلة. ليست حَيز خلاص اجتماعي بل مساحة حدّ.. السؤال اليوم لم يعد كيف نغيّر الواقع، بل كيف نمنع الواقع أن يُعيد تعريف ما نعتبره مقبولًا داخل أنفسنا..! عند هذه النقطة، تتحوّل الأخلاق من فضيلة إلى خط الدفاع الأخير..!
إستطرادآ؛ أن تكون مستقيمًا في زمن كهذا لا يعني أنك أفضل من غيرك، بل أنك رفضت التوقيع الصامت على ما يجري. ووضعت حدًا أدنى لا تُساوم عليه، رغم معرفتك أنه لا يغيّر النتيجة العامة. هذا الرفض لا يصنع أبطالًا، لكنه يمنع الذوبان الكامل.
خِتامًا. في مجتمعات منهكة، يتقلص أداء العدالة رغم ان القضاء عين الله التي لا تنام..
عليه يبقى مقياس الاستقامة ليس بما تُصلحه، بل بما تمنعه من التآكل… أحيانًا، هذا الحدّ الأدنى هو آخر ما يبقي الإنسان وربما الوطن خارج منطق الانهيار..!
———————————-
عميد متقاعد، كاتب