البراغماتية السياسية وحدودها الوظيفية… عندما يتحول التوازن إلى تناقض!!

 

 

خاص – “اخبار الدنيا” 

 

بقلم : الدكتورة ميرنا داود*

في فلسفة الفعل السياسي:

السياسة، في جوهرها الفلسفي، ليست حقلاً للمثاليات المطلقة، بل هي فن إدارة الضرورة داخل شروط الواقع. إنها تنتمي إلى عالم “الكينونة المتحققة” لا “الماهية المتعالية”. من هنا كانت براغماتية بطبيعتها: لا تزن الأفكار بميزان الحق والباطل المجرد، بل بمعيار الجدوى التطبيقية وقدرتها على إنتاج سلطة، وحفظ بقاء، وتأمين المصالح.
وتأسيساً على ذلك، تبدو السياسة “وظيفية” بامتياز. فالدولة، كما حللها تالكوت بارسونز في سوسيولوجيا النظم، ليست جوهراً ساكناً، بل نسقاً من الأدوار يؤديها الفاعلون داخل شبكة معقدة من العلاقات. كل فاعل سياسي هو حامل دور، وكل دور هو وظيفة تستمد شرعيتها من قدرتها على تحقيق التوازن العام للنسق. هذا هو القانون الحديدي للممارسة السياسية منذ مكيافيلي وحتى كيسنجر: السياسة هي عقلنة الممكن.
أولاً: البراغماتية بوصفها عقلاً أداتياً… لا عبثية أداتية:
الخطر يبدأ حين تُختزل البراغماتية إلى “ذرائعية عدمية” تبرر ،أي جمع بين المتناقضات تحت لافتة “الواقعية السياسية”. هنا ينقلب مفهوم المرونة إلى سيولة تفقد الشكل، ويتحول التوازن إلى فوضى مقنّعة.
فلا يمكن، من منظور العقل السياسي، لدولة واحدة أن تمارس الأدوار التالية في آن واحد:
أن تموّل الحركات المتطرفة الأصولية التي تنتج اللاستقرار الإقليمي، وفي ذات الوقت تدّعي قيادة الملفات الكبرى التي تتطلب استقراراً إقليمياً كشرط موضوعي للتحقق.
أن تنسج علاقات استراتيجية متقدمة مع طرفٍ تُصنّفه في خطابها التعبوي الداخلي بوصفه “العدو الوجودي”، في حين يقوم ذلك التحالف على منطق الردع والمصالح الأمنية المشتركة. فالتناقض ليس في التحالف ذاته، بل في الجمع بين التحالف وخطاب الشيطنة المطلق.
أن تكون الركيزة الأمنية الأولى لقوة عظمى في الإقليم عبر استضافة بنية عسكرية محورية لها، وفي اللحظة ذاتها تبني تحالفاً استراتيجياً وثيقاً مع القوى الإقليمية التي تُصنفها تلك القوة العظمى خصوماً جيوسياسيين رئيسيين.
هذا ليس “لعباً على كل الحبال”. هذا انتحار وظيفي.

ثانياً: نقد النظرية الوظيفية من داخلها:

التناقض البنيوي:

النظرية الوظيفية التي نستند إليها، في صيغة ديفيد إيستون أو غابرييل ألموند، لا تنكر تعدد الأدوار. بل تراه ضرورة لمرونة النسق السياسي. غير أن هذه النظرية تشترط شرطاً وجودياً: الحد الأدنى من الاتساق البنيوي بين الأدوار.
النسق السياسي يشبه الجسد: يمكن لليد اليمنى أن تحمل سيفاً واليسرى أن تحمل غصن زيتون، وهذا توازن ردعي. لكن لا يمكن للرأس أن يأمر اليد اليمنى بقتل ما تحميه اليد اليسرى. هنا يصاب الجسد بالشيزوفرينيا، وينهار النسق.
تكديس الأدوار المتناقضة لا ينتج “واقعية”، بل ينتج “خللاً وظيفياً” dysfunction. فالدور الأول ينسف شرعية الدور الثاني، والدور الثالث يفرغ الدور الرابع من مضمونه. والنتيجة: فقدان التوازن الداخلي والخارجي الذي هو غاية الوظيفية أصلاً. ما نراه هنا ليس براغماتية، بل هو تجاوز لمنطق البراغماتية نفسها، لأنه يلغي إمكانية تحقيق أي هدف على المدى الاستراتيجي.
ثالثاً: البراغماتية تحتاج إلى ميتافيزيقا:

 معضلة الغطاء الأخلاقي:

تاريخياً، لم تنجح أي براغماتية سياسية كبرى دون “غطاء ميتافيزيقي” أو “سردية أخلاقية” تسوّق بها خياراتها. مكيافيلي نفسه، رائد الواقعية، برر قسوة الأمير بغاية “وحدة إيطاليا ومجدها”. بسمارك برر حروبه بـ”الدم والحديد” لأجل وحدة ألمانيا. حتى كيسنجر غلف واقعيته بمنطق “السلام العالمي عبر توازن القوى”.
البراغماتية العارية، التي تمارس التناقض دون تبرير قيمي، تفقد قدرتها على التعبئة والإقناع. عندما يصل حجم التناقضات إلى حد العبث، تفقد الرواية الرسمية “المعقولية السياسية” political plausibility. يصبح الخطاب فاقداً للمصداقية داخلياً وخارجياً، وتتحول الدولة إلى فاعل لا يمكن الوثوق به، لأنه لا يمكن التنبؤ بسلوكه. وهذا هو تعريف الفشل الاستراتيجي.

 بين كيسنجر والبهلوان: في فن الفروقات الدقيقة:

إن ما نشهده في بعض الممارسات ليس براغماتية، بل هو جهل بفلسفة البراغماتية. هناك فروقات دقيقة nuances حاسمة يدركها رجل الدولة الحقيقي:
الفرق بين المناورة والمراوغة: المناورة لها هدف استراتيجي واضح، والمراوغة غايتها البقاء اللحظي.
الفرق بين المرونة والسيولة: المرونة هي قدرة الفولاذ على الانحناء دون أن ينكسر. السيولة هي انعدام الشكل.
الفرق بين إدارة التناقضات وتكديسها: هنري كيسنجر أدار تناقض القطبين المتصارعين في الحرب الباردة. لم يكن ليحالف القطبين معاً في آن واحد.
البراغماتية ليست بهلوانية سياسية على حبل مشدود وسط عاصفة هوجاء. البهلوان يسقط عندما تشتد الريح لأنه بلا مركز ثقل. رجل الدولة البراغماتي يملك مركز ثقل هو “المصلحة العليا للدولة” بوصفها بوصلة لا تتغير، حتى لو تغيرت الوسائل.
البراغماتية هي فن إدارة الممكن ضمن شروط الواقع الصلبة، لا القفز البهلواني فوق قوانينه. ومن يتجاهل هذه القوانين، لا تكسره العاصفة، بل يسقط تحت وطأة تناقضاته قبل أن تهب.

————————

* كاتبة واستاذة جامعية