الاشتباك الأميركي – الإيراني: لبنان بين تقاطع الردع وسيادة الدولة…!

خاص – “أخبار الدنيا”

بقلم العميد منذر الأيوبي *

لم يَعُد الاشتباك الأميركي – الإيراني محصوراً في تبادل رسائل غير مباشرة عبر ساحات وسيطة، بل دخل مرحلة الإشتباك المكشوف القائم على ضربات محسوبة، وإظهار قوة مدروس، ورفع متدرّج لسقوف الضغط دون الانزلاق إلى حرب شاملة. لنكون أ مام معادلة اختبار إرادات لا أمام معركة حسم نهائي على ما يُرَوَج.

الولايات المتحدة تسعى إلى منع تشكّل تهديد استراتيجي طويل الأمد يمس أمنها ومصالحها الحيوية في الطاقة والممرات البحرية وأمن حلفائها. وإسرائيل تتحرك وفق عقيدتها الأمنية التقليدية القائمة على الضربات الاستباقية ومنع تراكم قدرات نوعية لدى خصومها، انطلاقاً من اعتبارات قومية وأمنية عملية أكثر مما هي أيديولوجية صِرفة مرتبطة بفتاوى التلمود والميراث الموعود . أما إيران، فتدير المواجهة بمنطق “الصبر الاستراتيجي”، او “الاستراتيجية الفابية”، نسبةً إلى الجنرال الروماني فابيوس- محاولة الحفاظ على بنيتها النووية، وعناصر ردعها الصاروخي وشبكة حلفائها الإقليميين، مع تفادي مواجهة مباشرة واسعة لا يمكن ضبط تداعياتها.

هذا التحول لا يعني غياب الخطوط الحمراء، بل يعني أنها باتت مرنة ومتحركة. كل طرف يختبر حدود الآخر دون كسر السقف الذي يستدعي حرباً شاملة. إلا أن ارتفاع منسوب الاحتكاك يزيد من احتمالات الخطأ في الحسابات، أو سوء التقدير، أو انزلاق غير مقصود نحو تصعيد أوسع.

في هذا السياق، تُطرح سيناريوهات قصوى من نوع استهداف مباشر لقوات أميركية أو توسع المواجهة إلى مستوى غير مسبوق، ما يدفع الولايات المتحدة إلى استخدام أسلحة ذات طابع استراتيجي أو كسر المحرّمات الكبرى-“النووي التكتيكي”- لكن هذا الأمر يبقى احتمالاً ضعيفاً إن لم نقل متعذرآ في المدى المنظور، نظراً لكلفته السياسية والأخلاقية والردعية الهائلة على جميع الأطراف. ف المنطق الغالب حتى الآن هو إدارة الصراع لا تفجيره.

مما تقدم؛ فان تفكيك الحالة اللبنانية نحو تحليلٍ وقناعات بات اشبه بتفكيك خبير متفجرات عبوة معقدة…
لبنان، بحكم موقعه وتركيبته الداخلية، ليس خارج هذه المعادلات. وجود حزب الله بما يمتلكه من قدرات عسكرية وإن محدودة يجعله جزءاً من منظومة الردع الإيرانية، ويضع البلد في دائرة الاستهداف عند كل تصعيد. لكن اختزال لبنان بورقة تفاوضية فقط يُغفِل حقيقة أن الداخل اللبناني نفسه فاعل أساسي، وأن توازناته الداخلية تؤثر في شكل تموضعه الخارجي.

السؤال المطروح بإلحاح: هل تسليم السلاح طوعآ للدولة اللبنانية يضمن وقف الاعتداءات أو استعادة الحقوق…؟ التجارب المقارنة لا تقدم ضمانة تلقائية. كما أن استمرار واقع السلاح خارج الدولة لم يمنح لبنان استقراراً دائماً أو حصانة كاملة. المسألة ليست معادلة ثنائية بين السلاح والأمن، بل شبكة معقدة تشمل ميزان الردع، الشرعية الوطنية، الغطاء الدولي، وقدرة الدولة على احتكار استخدام القوة فعلياً لا نظرياً.

قرار مجلس الوزراء حظر النشاطات العسكرية خارج إطار الدولة يشكّل خطوة سيادية من حيث المبدأ. غير أن التحدي لا يكمن في إعلان القرار، بل في القدرة على تنفيذه ضمن توازن داخلي دقيق وانقسام عمودي عميق. التنفيذ يتطلب تفويضاً سياسياً جامعاً، وغطاءً إقليمياً يحدّ من احتمالات الانفجار، ومؤسسات قادرة على فرض القرار دون جر البلاد إلى اشتباك داخلي.

في موازاة ذلك، يعاني لبنان أزمة مالية وبنيوية غير مسبوقة منذ عام 2019، مع تآكل الثقة الدولية وتراجع قدرات الدولة الاجتماعية والاقتصادية. هذا الواقع يقلّص هامش المناورة ويجعل أي اهتزاز أمني مضاعف الكلفة. التجارب تشير ان الدول القوية تمتص الصدمات، أما الهشّة منها فتتصدّع عند أول ارتجاج كبير.

إضافة إلى ما تقدم، فإن أي تطور دراماتيكي على مستوى القيادة الإيرانية أو استهداف شخصية محورية تعتبر مرجعية دينية لكل او قسم من الطائفة الشيعية (المرشد الأعلى آية الله الخامنئي) يرفع منسوب التعبئة العقائدية في المنطقة ككل، لكنه لا يلغي في المقابل منطق الدولة وحسابات البقاء التي غالباً ما تحكم قرارات الأنظمة. إذ ان الصراعات في الإقليم، مهما اتخذت من عناوين أيديولوجية، تبقى في جوهرها صراعات مصالح وتوازن قوى.

في المحصلة؛ البلد يقف اليوم بين مسارين متوازيين: مسار إقليمي لا يستطيع تجاهله، ومسار داخلي ملحّ لإعادة بناء الدولة واستعادة احتكارها للقوة الشرعية. لكن استعادة السيادة ليست حدثاً لحظياً ولا قراراً فوقياً، بل مسار تراكمي يتأثر بميزان القوى الداخلي كما يتأثر بالبيئة الإقليمية.

في زمن الاشتباك المفتوح، لا يحمي الدول خطاب مرتفع النبرة بقدر ما تحميها دقة الحسابات وبناء المؤسسات. السؤال الحقيقي الآن: ليس إن كان لبنان سيستمر في دفع الثمن، بل كيف يمكنه تقليص الكلفة، واستعادة هامش القرار، وتحويل موقعه من ساحة تأثر إلى دولة قادرة على إدارة توازناتها بأقل خسارة ممكنة…!

*عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية