مميزشعر وأدب

الأعمى أعمى البصيرة .. وليس البصر

 

 

بقلم د. جمال شهاب المحسن*

يروي شيخ الأدب الشعبي سلام الراسي في كتاب “الحبل على الجرّار” ص 79 التالي :

أهلاً وسهلاً بطه حسين

كان بعض رجال الفكر، في مصر، قد تنادوا الى إقامة حفلة تكريم لشاعر القطرين خليل مطران، وجاء من يريد الاستئناس بموافقة الملك فاروق الذي قال عندما قرأ إسم الدكتور طه حسين بين أسماء أعضاء لجنة التكريم:”إيه الأعمى ده”! وعَلِم طه حسين بكلام فاروق، فقال: لم أكن أظن في حياتي أن تنالني مثل هذه الإهانة، وفي بلدي، وفي مثل هذه المناسبة. واكتفى بالانسحاب من لجنة التكريم.

في ذلك الوقت كان الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي وأشهر فاقدي البصر في القرن العشرين.

وقَدِم يوماً إلى لبنان، فأكرمه شعراء وأدباء ذلك الزمان بما يناسب مكانته في دنيا الفكر ويتناسب مع تقدير اللبنانيين للعلماء والأدباء والمفكّرين.
وبَلَغَهُ أنَّ شعراء الزجل عندنا يرتجلون الشعر الشعبي، ويغنّونه، حسب مقتضى الحال، فطلب أن يختبر الأمر بنفسه، وجيء به إلى حيث كانت فرقة شحرور الوادي تقيم إحدى حفلاتها.

وما إن أطلّ بطربوشه الطويل ونظّارتيه السوداوين حتى انتبهَ أحد الحاضرين، وهتف: أهلاً وسهلاً بطه حسين!
فأخذ المبادرة شحرور الوادي، فقال:

أهلاً وسهلاً بطه حسين

ربّي أعطاني عينيْن

العيْن الواحدة بتكفيني

خُذ لك عيْن وخَلّي عيْن

وضجّت القاعة بالتصفيق وراح الجميع يردّدون:خذ لك عين وخلّي عين، إلى أن وقف علي الحاج، الشاعر الثاني في الفرقة، وقال:

أهلاً وسهلاً بطه حسين

بيلزملك عينيْن تنيْن

تكرّمْ شحرور الوادي

منّو عين، ومني عيْن

فتناول الردّة أنيس روحانا الشاعر الثالث في الفرقة، وقال:

لا تقبل يا طه حسين

من كل واحد تأخذ عين
بقدملَك جوز عيوني

هدية، لا قُرضة ولا ديْن

فاستدرك طانيوس عبده، الشاعر الرابع في الفرقة، وقال:
ما بيلزمو طه حسين

عيْن .. ولا أكثر من عيْن

الله اختصّوا بعين العقل

بيقشع فيها عالميْليْن ..

ومن خلال ما تقدّم نجد أن الناس ولا سيّما أصحاب العقول فيهم تكرّم المبدعين وخصوصاً الذين خصّهم الله بقوة البصيرة والذكاء والمعرفة كعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين …

وللردّ على مَن يُعيبون على البعض فقدان البصر أو ضعفه نشير الى هذه الحادثة : سأل رجلٌ الشاعرَ بشّار بن برد قائلاً: ما أعمى اللهُ رجلاً إلاّ عوّضه، فبماذا عوّضك؟ فقال بشّار: بأن لا أرى أمثالك! ..

الأعمى ليس أعمى البصر وإنما أعمى البصيرة ومَن أعماهُ الجهل والحقد والحسد والتعدّي والإفتراء والتعصب الأعمى …
(وفي أنفسكم أفلا تُبصرون) صدق الله العلي العظيم. المهم أن نستخدم طاقاتنا وابداعاتنا في سبيل الحق والخير.

*إعلامي وباحث في علم الإجتماع السياسي

مقالات ذات صلة