إطلالة الحريري التلفزيونية .. إجترار خارج الزمان والمكان

 

بقلم : عباس صالح
لا يحتاج المتابعون الى كثير من الجهد ليكتشفوا أن الهدف الأول لمقابلة الرئيس سعد الحريري المتلفزة بالامس، هو تمرير الرسالة الآتية: لقد حصلت على الموافقة السعودية لترؤسي حكومة أُفضِّلُها من الاختصاصيين، تتولى النظر في إيقاف الانهيار الاقتصادي في لبنان عبر اتخاذها حزمة من الإجراءات المنسجمة مع ورقة قصر الصنوبر (كما يراها من منظاره الشخصي والخاص) من خلال الانصياع إلى وصفة البنك الدولي والتي تقضي ببيع ما تبقى املاك الدولة اللبنانية، ورفع قيمة الضرائب بمختلف مسمياتها على المواطنين، وما سوى ذلك من رهن الذهب الاحتياطي، الذي تملكه الخزينة اللبنانية، وربما بيعه، والحصول على المساعدات الدولية المقررة في المؤتمرات المخصصة لمساعدة لبنان، كمؤتمر “سيدر” وسواه. وكل ذلك لنعيد إعمار بيروت، كما قال، وليس لإخراج الكيان برمته من أصعب محنة اقتصادية مرت عبر تاريخه، وباتت تهدده بالزوال عن الخارطة فعلياً !.
وبعيداً من تحليل طبيعة المقابلة التلفزيونية، وما احتوته من طروحات استفزازية لعقول اللبنانيين والعالم، ورؤى وأفكار، أقل ما يقال فيها انها تُرُّهات تقليدية ترمي الى الاستخفاف بالعقول، وتعتمد أساليب إثارة الغبار الكثيف من أجل التضليل وتضييع الآثار، وفضلاً عمَّا فيها من إصرار ومعاندة على إبقاء الطاقم القديم في مناصبه، للاستعانة “بخبراته” في هندسة النهب المالي، والادارة بالعقلية القديمة نفسها وبالطرق نفسها، فإن الانطباع الوحيد الذي يمكن ان يسجله المشاهد منها وهو ان الحريري خلص الى إعلان قناعة مفادها ان النهج الاقتصادي الريعي القائم على جهنم ضرائبية موازية لاقامة محافل الاستعطاء الدولي (الشحادة) ومترافقة مع إجراءات بيع الاصول، بحيث لا يتبقى للدولة من املاك، هو النهج الذي يجب ان يستمر ويتواصل للخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي باتت تهدد لبنان بوجوده على الخارطة العالمية، علماً انه النهج إياه الذي اتبع منذ العام 1992 وحتى اليوم، ولا يختلف اثنين على انه النهج الذي أوصل البلاد الى الانهيار ورمى اللبنانيين في قعر هاوية لن يتمكنوا من الخروج منها إلا بمعجزة حقيقية،  قائمة حكماً على نسف كل أسس النظام القديمة وآلياته مع رموزه ورجالاته، والمنظرين له.
إذن، يقول الحريري بما خلاصته : ما زال لدى لبنان أصولاً يجب بيعها وتمويل المصارف من أثمانها، وما يزال في جيوب اللبنانيين أموالاً يمكن سلبها عبر زيادة الضرائب، وما يزال لدى بعض دول العالم عاطفة تبعثهم للإشفاق على اللبنانيين يمكن لنا استغلالها لجمع أكبر قدر من الاموال ووضعها في “السلّة المفخوتة” إياها التي وضعت فيها مئات المليارات التي ادخلت الى الحزينة اللبنانية على مدى 28 عاماً وتبخرت مع الاصول والديون بسحر سحرة من أمهر لصوص الكون، ما زالوا هم انفسهم يتحكمون بكل شاردة وواردة وبكل تفاصيل النظام الاقتصادي والسياسي الذي يطل علينا الحريري اليوم ليطلب تعزيزه ورفده بصلاحيات إضافية، بل يعلنها بصراحة أنهم انفسهم هم طاقمه الذي سيدير عملية الاصلاح!.
الحريري بإطلالته التلفزيونية بدا وكأنه يعيش خارج الزمان والمكان، ولذلك لم يخجل من طرح ترهاته على عواهنها، غير آبهٍ لا بمشاعر اللبنانيين ولا مُحتَرِمٍ لعقول العالم والمراقبين في ظلال هذا الكم الكبير من الفضائح التي تتوالى يومياً، وتتكشف تباعاً لتميط اللثام عن أسرار عمليات نهب تعرضت لها الخزينة اللبنانية، وهي أسرار باتت على كل شفة ولسان، يندى لها جبين الانسان، وتقشعر لها الابدان!.
كذلك بدا الحريري، وهو يجرد حسامه في وجه كل القوى السياسية الحليفة والمعارضة على حدٍ سواء، ليقول لها إنني مرشح طبيعي لرئاسة الحكومة ولا احتاج جميلاً من أحد منكم، وبذلك ظهر وكأنه يقول للزعماء السياسيين أعرفكم واعرف كل نقائصكم مجتمعين ومنفردين، ولا احتاجكم لأنكم مجبرين على تكليفي برئاسة الحكومة لأحمي مصالحكم وأحمي رؤوسكم…