أميركا الجديدة ولعبة الأمم …

بقلم : نمر أبي ديب*

ليست المرة الأولى التي تواجه فيها “الولايات المتحدة الأميركية” أزمات وجودية، لكنها المرة الأولى التي يَرزَحُ فيها الداخل الأميركي ببعديه السياسي والإجتماعي تحت وطأة العواصف التغييرية النابعة في الأساس من عاملين
– العنصرية العرقية أحد أبرز عوامل التفكك الأميركي في عالمنا الحديث خطيئة أميركا الأصلية كما وصفها الرئيس السابق باراك أوباما في كتابه الجديد “أرض الميعاد” حين أكَّد أن “قضية العرق هي بمثابة خيط لا يمر بين صفحات الكتاب فحسب، إنما خلال رئاسته أيضا. مُعلناً أنها تمثل أحد خطوط الصدع المركزية في التاريخ الأمريكي، إنها خطيئة أميركا الأصلية”.
– غياب الواقعية السياسية” عن خيارات ورهانات الشعب الأميركي التي شكلت على مدى عقود من الزمن ضمانة إستراتيجية “للعظمة الأميركية” و”عامل بقاء” للإنتظام السياسي الأمني وحتى الإقتصادي المواكب للدور العالمي التي تفتقر الولايات المتحدة الأميركية اليوم إلى آحاديته في لعبة الأمم بالرغم من حجم المساحة الشرق أوسطية التي باتت تشغلها صفقة القرن” في ملف التطبيع و”قانون قيصر” من خلال حرب الدولار.

ما يجري اليوم على “الساحة الأميركية” جزء لا يتجزأ من مفاعيل الخطيئة الأصلية التى تحدث عنها بإسهاب الرئيس الأميركي السابق “باراك أوباما” وساهمت بفعل “الخيبات المُتتالية” التي مُنِيَ بها الشعب الأميركي في صياغة عناوين التحول، والمساهمة في عبور الولايات المتحدة الأميركية مع الرئيس الحالي دونالد ترامب نفق المسلمات التاريخية إلى “أميركا جديدة أقل تأثير وأكثر تفكك محكومة بفعل المتغيرات الدولية في جملة عوامل أبرزها،
1- “الإنقسام الداخلي والمزدوج في السياسة والمجتمع” وهنا تتجه الأنظار إلى هوية الرئيس المقبل والبحث بات يتناول كيفية إدارة “الواقع الإنقسامي” في ظل الصحوة العرقية التي ظهرت مؤخراً في أميركا بعد مقتل “جورج فلويد” والخيبات المُتتالية للشعب الأميركي المحكوم بعامل الإختيار الدائم بين “الديمقراطيين والجمهورين” نظراً لغياب الخيار آخر.

2- “مساحات النفوذ” أو ما بات يُعرف بخارطة الأنتشار العالمي التي شكلت اليوم بفعل التمدد الهائل للنفوذين الروسي والصيني عامل توازن إقليمي لا بل التحدي الأكبر للولايات المتحدة الأميركية على مسار التنافس السياسي العسكري وحتى الإقتصادي مع الدول الكبرى على العرش العالمي.

3- “الحالة الإقتصادية” يُعتبر الإنعاش الإقتصادي اليوم مطلب مشترك على الساحتين الإقليمية والدولية وأيضاً مدخل أساس “للإستمرارية السياسية” وتنفيذ “الأجندات الخارجية” في مراحل تشهد على “إنهيار غير مسبوق” في أسواق النقد العالمية، وهنا بيت القصيد ومفصلية “الحرب النفطية” في تحديد الزعامة الإقتصادية” من جهة وبلورة المسار العملي للنظام الإقتصاد الجديد من جهة ثانية.

مما لا شك فيه أن نتائج “المعركة النفطية” الدائرة اليوم شرق المتوسط عامل مؤسس في بناء النظام الإقتصادي الجديد القادر بدوره على صياغة واقعه النقدي وفق نظم ومعايير عابرة في الشكل والمضمون للمسلمات التقليدية التي قام عليها النظام المالي السابق، الذي أثبت هشاشته وأيضاً فشله في إمتحان كورونا، السؤال اليوم هل تشكل حرب النفط في شرق المتوسط مفصل إستراتيجي يمنح المُنتَصر إمكانية إحكام السيطرة من جديد على الإقتصاد العالمي؟

من يتأمل جيداً في تحالفات شرق المتوسط، التي باتت تضم تركيا، ليبيا، وقبرص التركية من جهة ومصر، اليونان إسرائيل، وقبرص اليونانية من جهة أخرى يتلمس بشكل واضح وصريح خطوط المواجهة الناعمة التي لاحت في أفق التصادم الغير معلن بين “أميركا الجديدة” و”فرنسا” كما يُدرك مركزية “الولايات المتحدة الأميركية” في هذه المعركة وقدرتها الإستثمارية للنتائج نظراً لغياب المنافس الحقيقي وهذا يطرح العديد من علامات الأستفهام الأمني والسياسي حول “الدور الروسي” تحديداً وأيضاً موقف سورية النفطي التي ما زالت حتى اللحظة خارج إطار أي إسطفاف في “شرق المتوسط” ومعها “لبنان” الذي يعمل بعض من في الداخل والخارج على إلحاقه بالمحور الثاني وهذا التموضع إن حدث سيقود اللبنانيين حتماً إلى حافة “التطبيع” ولبنان إلى مُقَدِّمات إنقسامية كبرى قد تذهب بالبلد إلى حدود التقسيم إذا توفرت “الرغبة الدولية” في ذالك أو الحد الأدنى من التوازن السياسي والعسكري بين اللبنانيين.

بناءً على ما تقدم هل يتمكن بايدن من معالجة الإنقسام الحاصل في المجتمع الأميركي؟ هل سيكون كما وعد في خطاب الفوز الذي ألقاه بمقر حملته (ويلمنغتون) بولاية (ديلاوير)رئيساً يعمل على توحيد الولايات المتحدة؟ على جعل أميركا الجديدة خالية من “اللغة العدائية” وأيضاً من “حالات الشيطنة”؟

تعيش الولايات المتحدة الأميركية اليوم مرحلة إنتقالية تَعْبُر من خلالها الدولة والشعب نفق العظمة التاريخية إلى واقعية البحث الدائم عن “الدور العظيم” الذي يضمن في لعبة الأمم الجديدة عاملين الهيمنة الإقتصادية ومساحات النفوذ.

——————-

* كاتب وناشط سياسي